إن التنبؤ باتجاه السوق العقاري المصري خلال الفترة المقبلة، يعد أمراً صعباً للغاية، لذلك تسعى «إنفستجيت» لمعرفة التصور العام لسوق العقارات المصري في عام 2020 وذلك من خلال معرفة توقعات كبار المتخصصين والخبراء في القطاع العقاري، بالإضافة إلى البحث والتدقيق في أحدث اتجاهات السوق. كما يحاول هذا التقرير الوصول إلى إجابة على السؤال الهام الذي قد يؤثر على الخطط المستقبلية للمستثمرين المحليين وهو: “كيف سيتراجع سوق الإسكان في العام المقبل؟”

 

هدوء نسبي في عام 2020

على غرار العام الماضي، فإن القطاع العقاري في مصر سوف يشهد مزيدًا من الهدوء في عام 2020، نتيجة عدة عوامل مختلفة. وتوقعت مريم السعدني، أحد المحللين في شركة «إتش. سي.» لتداول الأوراق المالية، أن سوق العقارات سوف ينمو بشكل عام في 2020، على الرغم من عدم وجود محفزات تشجع القطاع على الانتعاش.

وينعكس التباطؤ في صناعة العقارات جزئيًا على قلة الطلب مصحوباً بضعف القوة الشرائية للمستهلكين. إن القطاع العقاري يشهد أداءً سلبياً لمدة عامين حتى الآن، حيث أصبح المشترون يبحثون عن بدائل أخرى للاستثمار، وذلك في أعقاب التباطؤ في السوق الثانوي/إعادة البيع، وفقًا للتقرير الصادر عن شركة العربى الأفريقى الدولى لتداول الأوراق المالية (AAIS) في ديسمبر 2019.

وأكد محمود جاد، كبير محللي الأسهم في (AAIS)، أن العائق الرئيسي للمتسوقين العقاريين هو القدرة على تحمل التكاليف، خاصة الذين ينتمون إلى شريحة الدخل المتوسط، ولذلك من المتوقع أن يظل الطلب ثابتًا في عام 2020، إن اتجاه البنك المركزي المصري لتخفيف سياساته النقدية، قد يؤدي إلى انتعاشاً فعلياً في قطاع العقارات، ولكن إذا لم تنخفض أسعار الفائدة إلى مستويات ما قبل التعويم أي أقل من 10 %، فإن أي تحسن لن يكون “فورياً”.

وأكد محمود جاد أن الدخول المفرط للاعبين جدد في سوق العقارات، بالإضافة إلى إطلاق تطورات وطنية وخاصة جديدة، فإن كل هذا الانتعاش الافتراضي قد لا يكون بالضرورة مصحوبًا بنمو في حصة المطورين في السوق، حيث أن كل ذلك سيؤدى إلى زيادة العرض للمشروعات، والتي قد تصل إلى درجة التشبع في المستقبل القريب.

ولهذا السبب، يعتقد الخبراء أن مبيعات العقارات ستظل منخفضة في عام 2020 حيث ستكون أقل من الأهداف الحالية للمطورين العقاريين، وفقًا للتقرير الصادر عن شركة «فاروس» القابضة في أكتوبر 2019.

ومن ناحية أخرى، أكد كلاً من محمود جاد ومريم السعدني، أن المطورين الذين تمكنوا من تحقيق مبيعاتهم المستهدفة لعام 2019، سوف يحافظون على نفس الأداء الثابت في عام 2020.

ولاحظت مريم السعدني، أن الأصول المتكررة تشكل دفعة كبيرة لمحفظة أي شركة في العام المقبل وذلك من أجل موازنة المخاطر والمكافآت في شركات المطورين. ويظهر هذا التنويع في توزيع العائدات على سبيل المثال في مجموعة طلعت مصطفى القابضة وأوراسكوم للتنمية مصر، حيث أنه من المتوقع أن تكونا من بين أفضل الشركات المدرجة، كما تشكل عائداتهما المتكررة حوالي 31.4 % و58.7 %، على التوالي من إجمالي الأرباح، مقارنةً بالأرباح الإجمالية لباقي الشركات الذي يبلغ 5% فقط، وفقاً لتقرير «فاروس» 2020.

 

الأداء المتنوع في القطاعات الفرعية

هل سيفوز السوق الثانوي في القطاع السكني؟

– السوق الأولية: من المتوقع أن ترتفع أسعار بيع الشقق من الدرجة A و B بنسبة 5-8 % في عام 2020، ومن المحتمل أن ترتفع أسعار الفيلات بمعدلات أعلى بنسبة 10-15 %، وفقاً لـ إيان ألبرت، المدير الإقليمي في «كوليرز إنترناشيونال مينا». وعلى الجانب الآخر، من المحتمل أن تحدث زيادة غير مسبوقة في المعروض السكني في العام المقبل، من خلال طرح 46,700 وحدة، حسبما أفاد التقرير الصادر مؤخراً عن شركة «جي. إل. إل». وعلى الرغم من ذلك فإن الشركة أعربت عن قلقها إزاء تسليم المشروعات ضمن الأطر الزمنية المحددة.

وأضاف إيان ألبرت، أن زيادة العروض المتوقعة في القاهرة الجديدة، سوف تشهد زيادة ثابتة/ طفيفة في المبيعات. أما مدينة السادس من أكتوبر والشيخ زايد في غرب القاهرة، من المتوقع أن تواصل المنطقة نموها وتشهد زيادة في المبيعات، ويأتي ذلك نتيجة أن المطورين يتطلعون إلى إنشاء مجتمعات جديدة متعددة الاستخدامات بالإضافة إلى خطط الحكومة للاستثمار في التوسعات في الجانب الغربي من العاصمة.

– سوق الإيجارات: من المتوقع أن ترتفع الأسعار في القاهرة الجديدة، ولكن من المتوقع أن تظل ثابتة بشكل طفيفي إلى حد ما في مدينة السادس من أكتوبر، وفقاً لتقرير «جي. إل. إل.» للربع الثالث من عام 2019. علاوة على ذلك، أكدت الدراسة الصادرة عن شركة العربى الأفريقى الدولى لتداول الأوراق المالية لعام 2019 أن تأجير الوحدات السكنية قد يعتبر بديلاً أفضل خاصة في ظل مستويات الدخل الحالية أو نتيجة إمكانية الحصول على تمويل  عقاري بفائدة أقل.

– السوق الثانوية: من المتوقع أن يكون هناك طلباً ثابتاً على جميع الوحدات السكنية لأغراض الترفيه والاستثمار، ومن المحتمل أن يؤدي ذلك إلى رفع مستوى أداء السوق في عام 2020. وبالتالي، من المتوقع أن تظل دورة العقارات في السوق المحلية الثانية في فترة نمو خلال تلك العام، حسبما أفاد إيان ألبرت، ويأتي ذلك نتيجة تفضيل المشتري المصري لامتلاك الوحدة بدلاً من تأجيرها.

القطاع العقاري التجاري في مرحلة النمو

شهدت العقارات التجارية تطوراً كبيراً حتى أصبحت فئة رئيسية في سوق العقارات، حيث أنه من المحتمل أن تشهد القطاعات الفرعية للمكاتب والتجزئة زيادة في الطلب في الفترة المقبلة. كما أنه من المتوقع أن يحافظ سوق المكاتب على أداء إيجابي خلال عام 2020، مدفوعًا بالطلب المتزايد على مساحات العمل خاصة في شرق القاهرة، وفقاً لآراء الخبراء.

وأوضح إيان ألبرت، أن “مرحلة النمو” المتوقعة في سوق العقارات التجاري تعد نتيجة منطقية إلى تحول مراكز الأعمال التقليدية من المناطق المركزية في العاصمة إلى شرق وغرب القاهرة، بالتوازي مع التطورات السكنية في غرب القاهرة وتطوير مدن جديدة مثل العاصمة الإدارية الجديدة.

وتابع أن الاتجاه الملحوظ في عام 2020 سيكون التحول في قطاع المكاتب من التأجير إلى البيع، وذلك بسبب قيام المطورين بالبحث عن فترات استرداد أقصر بالإضافة إلى تلبية الطلب الهائل للمشترين الذين يبحثون عن الاستثمار في الأصول التجارية.

وسوف يكون لدى السوق إمدادات جديدة تبلغ 156,000 متر مربع من المساحة الإجمالية القابلة للتأجير، والتي من المقرر الانتهاء منها في عام 2020، وفقًا لتقرير «جي. إل. إل.». بالإضافة إلى ذلك، تم تحديد معدلات تأجير مساحات المكاتب من الدرجة A و B بنسبة تتراوح بين 3% و 5%.

أما قطاع البيع بالتجزئة سوف يشهد المزيد من الانتعاش مدفوعاً بزيادة الإنفاق وكسب ثقة المستهلك، وتوقع إيان ألبرت، أن ترتفع معدلات الإيجار بنسبة تتراوح بين 10 و 15% تقريبًا.

وعلى الرغم من ذلك، من المرجح أن يحدث تباطؤ في نمو البيع بالتجزئة، والذي سوف يبلغ 180,000 متر مربع، وفقًا لدراسة «جي. إل. إل.»، ويعكس ذلك اضطراب السوق في أعقاب نمو التجارة الإلكترونية وتحول التركيز نحو دمج المواقع داخل مصر.

 

استقرار سوق الضيافة

هناك تفاؤلاً كبيراً في قطاع الضيافة اعتماداً على مؤشرات الأداء الإيجابية، والحملات الترويجية في الخارج وكذلك الإصلاحات التنظيمية والمبادرات الأخيرة التي تم تفعيلها لتعزيز الصناعة المصرية.

ولقد أصدر البنك المركزي في ديسمبر الماضي، خطة تمويل شاملة تقدر بـ 50 مليار جنيه بدلاً من 5 مليارات جنيه لتعزيز قطاع السياحة في مصر، ويستثني البرنامج شركات السياحة التي تعمل منذ 2011 من دفع الفائدة المركبة.

إن التجديدات الأخيرة للمعالم السياحية، بما في ذلك قصر البارون وافتتاح المتحف المصري الكبير الذي طال انتظاره قبل نهاية عام 2020، من المرجح أن تجعل مصر بلداً أكثر جاذبية للزائرين، مع زيادة تعزيز قطاع الضيافة المحلية في الفترة المقبلة، وفقاً لتقرير «جي. إل. إل.».

وعلى الجانب الآخر، من المرجح أن تصل معدلات إشغال الفنادق في القاهرة إلى 81% في عام 2020، وهي نسبة أعلى بقليل من 80% التي تم تحقيقها في عام 2019، وفقًا لتقرير «كوليرز»، وسوف يؤدي هذا الأداء المطرد إلى ارتفاع عدد السائحين الوافدين بالإضافة إلى الأعمال الجارية المحدودة، لا سيما عبر فندق «حياة ريجنسي كايرو ويست» الذي يضم 242 غرفة، وفقاً لما جاء في تقرير «جي. إل. إل.».

وفيما يتعلق بالفرص المتاحة للمستثمرين في الفنادق في العام المقبل، يبدو أن هناك فجوة كبيرة في سوق منتجات الحياة العصرية. وقال إيان ألبرت إن الطلب على هذه المنتجات الجديدة مدعوم من قبل المسافرين الشباب الذين يبحثون عن الإثارة والمغامرة، مع التركيز بشكل خاص على التجارب الجديدة.

وتابع أن هناك فرصة كبيرة للمطورين والمستثمرين لجذب المزيد من المشغلين الدوليين إلى مصر، خاصةً مع العلامات التجارية التي تركز على هذا القطاع المتطور.

المخاطر المحتملة في 2020

أضاف محمود جاد أنه في الآونة الأخيرة، يوجد وفرة في العروض وسط الاتجاه المتنامي للتحضر في البلاد، وذلك من خلال بناء العديد من المدن الجديدة، كما اعتمد مطورو العقارات على خطة مشتركة لتقديم تسهيلات دفع مريحة للحفاظ على حصصهم في السوق. ولكن بعض الشركات وضعت شروطاً تصل إلى عشر سنوات للتقسيط وبدون مقدم. وعلى الرغم من أن مثل هذه الشروط تهدف إلى تأمين المزيد من العملاء وتسجيل معدل مبيعات أعلى من غيرها، إلا أن التدفقات النقدية لبعض الشركات بدأت في التناقص نتيجة لذلك مما أدى إلى تآكل هوامش الربح.

كما أكدت مريم السعدني أن هناك أزمة سيولة محتملة سوف تنشأ بين المطورين الصغار نظرًا لتسهيلات الدفع غير المخطط لها، والتي قد تؤدي إلى تأخير تسليم المشروعات، وبالتالي إجبارهم على الانسحاب من السوق بسبب الإخفاق في التنافس، وقال محمود جاد إن الشركات التي لديها التزامات كبيرة بالأراض إذا استمرت في إتباع نفس استراتيجية التمويل فإنها سوف تنهار قريباً.

أما بالنسبة لشركات للمطورين الكبرى، قالت مريم السعدني، إنه من غير المرجح أن يؤثر نقص السيولة على المحافظ المالية لهذه الشركات لأنها مدعومة بالعديد من مكونات التجزئة، والتي سوف  تعوض عن الأداء المتقلب للجانب السكني لأعمالهم.

وعلى الجانب الآخر سوف تشهد بعض هذه الشركات هوامش ربح منخفضة بسبب التجاوزات عالية التكلفة مما سيؤدي إلى عدم الالتزام بالجداول الزمنية المحددة، فعلى سبيل المثال، أوضحت شركة مدينة نصر للإسكان والتعمير أنها تحملت عمليات تسليم متأخرة وتجاوزات كبيرة في التكاليف بعد تقديم خطط سداد لمدة عشر سنوات.

كما أكد محمود جاد ومريم السعدني أن هناك عدة مخاطرة أخرى تتمثل في أن هناك عدداً هائلاً من المشروعات يتركز في منطقة شرق القاهرة، حيث يوجد العديد من صغار المطوريين وتبرز المنافسة غير الناضجة، وبناءً على ذلك، يتوقع إيان ألبرت زيادة العرض في القاهرة الجديدة خلال الخمس سنوات المقبلة، والتي من المحتمل أن تمارس ضغطاً على أداء السوق.

وأكد محمود جاد أن دخول العديد من اللاعبين الجدد لسوق العقارات، بما في ذلك القطاع العام، يعد تحديًا آخر أدى إلى التنافس الشديد وبالتالي فقد تدريجي لحصة السوق، وتابع أن بعض المطورين الكبار الذين يمتلكون مشروعات في شرق القاهرة مثل شركتي «إعمار مصر» و«سوديك» اتجهوا إلى بناء مجمعات سكنية في غرب القاهرة مثل «إعمار ويست» و «ذا استيتس».

سوق العقارات في عام 2020

إن الحكومة المصرية تنفذ برنامج إصلاح قوي، مما أدى إلى دفع الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى مستويات قياسية تقدر بـ 45.35 مليار دولار (727.88 مليار جنيه) في نهاية نوفمبر 2019، كما أن هناك تحد آخر يتمثل في ضعف القدرة على تحمل التكاليف.

ونتيجةً لذلك سوف يضطر المطورين الآن إلى إصلاح نماذج الأعمال التقليدية وتقنيات المبيعات استجابةً لديناميكيات السوق التي تتغير بشكل أسرع. وعلى الجانب الآخر، يجب على الحكومة أن تكون وضعت دراسة جدوى مدروسة بشكل جيد.