على مدار السنوات القليلة الماضية، كان من الصعب للغاية تتبع خطوط اتجاه سوق العقارات والديناميكيات المتغيرة باستمرار في هذا القطاع. كما أنه لم يتم إصدار بيانات كافية عن التغيرات التي يشهدها سوق العقارات المصري، بالإضافة إلى تحليل دقيق لسلوك المستهلك في مصر، لقد حرص قادة صناعة العقارات والمطورون دائمًا على تحديد اتجاهات وتفضيلات المشترين، بهدف تطوير الفهم الكامل لدوافعهم، والعوامل التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار أثناء وضع استراتيجيات التسويق أو المبيعات الفعالة.

وبالتزامن مع الذكرى السنوية الثانية لتأسيس “إنفستجيت”، لقد قامت المجلة بفحص تفاعلات المستهلكين مع تحركات السوق السريعة، بالإضافة إلى عرض الأرقام والبيانات المختارة، مع تحديد أهم خصائص سلوك المشتري المصري والاتجاهات الحديثة في سوق العقارات.

 

نظرة عميقة في سوق الطلب

لقد شهد سلوك المستهلك المصري تقلبات عنيفة عقب تخفيض قيمة العملة، بالإضافة إلى قرارات السياسة النقدية التي اتخذها البنك المركزي المصري اعتبارًا من عام 2016، مع استمرار الطلب على العقارات على الرغم من انخفاض القوة الشرائية ومستوى الدخل للمستهلكين.

وفي حوارٍ سابقٍ مع “إنفستجيت”، قال حسين صبور، رئيس مجلس إدارة صبور للاستشارات، “أنا لست قلقًا على الإطلاق بشأن سوق العقارات، لدينا طلب مستمر على العقارات في ضوء التركيبة السكانية في البلاد، من الممكن أن ينخفض ​​هذا الطلب في بعض الأحيان، ولكن سيكون هناك دائمًا طلب على العقارات”.

في ظل ارتفاع الطلب على قطاع العقارات، لقد كانت أنشطة المستهلكين واتجاهاتهم هي الدوافع الرئيسية لقرارات الحكومة والقطاع الخاص خلال السنوات الأربع الماضية. ولكي نفهم مواقف المستهلكين، يجب أولاً أن نلقي نظرة على شرائح السوق والتركيبة السكانية للمستهلكين.

 

الفئة العمرية:

تتراوح أعمار غالبية مشتري المنازل بين فئتي “الطبقة المتوسطة” و “الطبقة الفقيرة”، خاصة في الفئة العمرية، بين 30 و 50 عامًا، في حين أن المشترين الأكثر نشاطًا، الذين ينتمون إلى فئة “الطبقة الغنية”، كما أن الفئة العمرية لهذه الطبقة أكبر سناً بقليل. ويرجع السبب في ذلك هو أن عدد الزواج سنويًا قد يتجاوز 900.000  زيجة على مدار السنوات الثلاث الماضية، كما أن جميع المتزوجين حديثًا يبحثون عن مساكن جديدة.

الطبقة الاجتماعية:

وفيما يتعلق بالفئات الاجتماعية، وجد فريق البحث والتطوير التابع لـ “إنفستجيت” أن الفئة ذات الدخل المنخفض تمثل طلبًا قويًا على المساكن بالقاهرة والجيزة، وهو ما يمثل عددًا تقريبيًا يبلغ حوالي 167.700 وحدة خلال العام المالي 2017/2018، متفوقةً على الطبقة العليا والمتوسطة، والتي قدر الطلب لديها بـ 66.100 وحدة سكنية.

بالإضافة إلى ذلك، أظهرت النتائج السابقة لـ “إنفسجيت” أن القطاعات منخفضة ومتوسطة الدخل في السوق المصرية، تعاني من نقص شديد في المعروض من الوحدات، مما يؤدي إلى فجوة في الإسكان تبلغ حوالي 3 ملايين وحدة. ولهذا السبب، تسعى الحكومة جاهدة لتكثيف جهودها لتوفير وحدات سكنية للطبقات الفقيرة، وتخصيص حوالي 90 % من ميزانية الإسكان في البلاد لمشروعات الإسكان الاجتماعي.

وبالنظر إلى بعض الحقائق الديموجرافية، بالإضافة إلى الظروف الاقتصادية، والمحددات الداخلية والخارجية الأخرى للسلوك البشري، أصبحت قرارات الشراء في مثل هذه المنتجات عالية المشاركة ومعقدة للغاية، مما يحث المستهلكين على إجراء تحقيق دقيق وإجراء مقارنة مفصلة قبل اتخاذ أي خطوة قبل الشراء.

وقال أحمد زعلوك، مدير مبيعات الشرقيون للتنمية العمرانية “إنفسجيت” في تصريحًا سابقًا، “يدرك المشترون الآن كيف يسير كل شيء في السوق ويقومون ببناء اختيارتهم المعتدلة بناءً على معرفة واسعة بالتفاصيل الخاصة الوحدات.

ووفقًا لذلك، أن الهدف الرئيسي لشراء المنازل في مصر في جميع الفئات الاجتماعية، هو لأغراض استثمارية، والسبب الآخر هو الانتقال أو الحصول على منزل للسكن، وهناك أسباب أخرى مثل شراء منزل أكبر، أو منزل بالساحل، أومنزل ثانٍ، وكانت هذه أقل تفضيلًا بين المستهلكين.

ولقد كشفت “إنفستجيت”، في فبراير 2018، إلى أن حوالي 60 % من الوحدات المباعة في العاصمة الإدارية الجديدة،  تم شراؤها من أجل الاستثمار، في حين بلغت نسبة الطلب الحقيقي 40% فقط. إن هذه النسب تعطي فكرة عن عقلية المستهلكين المصريين، الذين ما زالوا ينظرون إلى شراء وحدة سكنية كملاذ آمن، ويفضلون صناعة العقارات على باقي خيارات الاستثمار الأخرى.

ديناميكيات سلوك المشتري

إن أنشطة المستهلكين تختلف في القطاعات الفرعية لسوق العقارات. منذ تعويم الجنيه المصري في عام 2016، عانت صناعة العقارات كثيرًا، حيث تفاعل صانعو الصفقات على الفور وبقوة تجاه التغيرات المفاجئة والجذرية في السوق.

السكن: السوق الأولي والإيجار أو إعادة البيع؟

يجب أن تكون الظروف الاقتصادية قد أثرت على اتجاهات المشترين في السوق السكنية خلال السنوات الماضية. وفي الواقع ، تسبب تعويم الجنيه في تأثير إيجابي على مواقف العملاء وتسريع قرارات الشراء، مما أدى إلى مزيد من النمو في السوق الأولية. ومع ارتفاع الأسعار بسرعة، بدأ مشتري المنازل يدركون أنه من الأفضل دائمًا الشراء الآن بدلًا من الشراء لاحقًا.

فقدت أنشطة إعادة البيع قوتها في السوق الأولية منذ عام 2016، والتي شهدت طلبًا محليًا متزايدًا بسبب تسهيلات الدفع الممتدة والمزايا الأخرى التي بدأ المطورون في تقديمها لجذب المزيد من المستثمرين.

على عكس سوق إعادة البيع، الذي يتطلب الدفع النقدي بنسبة 100 %، فإن شروط الدفع المرنة، التي تتطلب دفعات صغيرة أو صفر وخطط الأقساط الممتدة، إلى جانب توفير وحدات أصغر حجمًا، كانت بمثابة استراتيجيات فعالة للمطورين لجذب المشترين وزيادة الطلب في السوق الأولية.

إن التباطؤ الذي تم تسجيله في السوق الثانوية أدى إلى توقعات السوق للعروض الجديدة بأسعار أكثر تنافسية على المدى القصير.

ومن ناحية أخرى، ازدهر سوق الإيجار بشكل كبير ونجح في الترويج لنفسه كبديل مثالي للسوق الأولية، خاصة بالنسبة للفئة الفقيرة من المشترين، الذين لا يستطيعون شراء منزل، مما يمنحهم بعض الراحة من عدم قدرتهم على تحمل التكاليف.

أن الطلب المتزايد على تأجير العقارات من الممكن أن يوجد في مناطق محددة مثل المهندسين والمعادى ومدينة 6 أكتوبر والرحاب بالقاهرة الجديدة ومدينتي، لأن العمال الذين يعملون في هذه المناطق غير قادرين على شراء منزل في هذه المناطق المرتفعة الأسعار، لذلك لجأوا لاختيار الإيجار بدلاً من الشراء.

ولقد أشار أحدث تقرير لشركة “جي. إل. إل.” إلى أن مدينة 6 أكتوبر كانت أكبر سوق إيجارات في عام 2018، بزيادة قدرها 17 % و 14 % في أسعار إيجار الشقق والفيلات، على التوالي.

 

مواقع الاهتمام

مما لا شك فيه أن اختيار الموقع المناسب للإقامة يعد أهم أولوية للمستهلكين. حيث أصبح هناك بعض المواقع التي تعد وجهات للاستثمار العقاري، بزلدة عن المواقع الأخرى.

على سبيل المثال، يظهر بشكل واضح تحول الطلب نحو الوحدات السكنية في غرب القاهرة، نظرًا إلى تراجع المنافسة في هذا المجال وانخفاض أسعار الأراضي مقابل العرض الزائد وارتفاع الأسعار في شرق القاهرة.

إن المدن الجديدة تأتي على رأس اتجاهات السوق الحديثة، مما يعد بمثابة تطور في المشهد العقاري المصري، حيث تقوم الحكومة بتنفيذ خطط لإنشاء وتطوير 20 مدينة جديدة. وكان هذا التحرك من قبل الحكومة مدركًا جيدًا بين مشتري المنازل، الذين حولوا مطالبهم إلى تلك المواقع الواعدة، بما في ذلك المشروع الوطني غير المسبوق في العاصمة الإدارية الجديدة.

وقال بعض مشتري المنازل الشباب في وقت سابق لـ “إنفستجيت” إنهم يفضلون العيش في مساكن تقع في مدن جديدة مثل مدينة المستقبل، والعاصمة الإدارية الجديدة، والعلمين الجديدة، والمنصورة الجديدة، لأن هذه المناطق متكاملة للغاية وأكثر أمانًا، بالإضافة إلى أنها تعتبر فرصة استثمارية جيدة.

وفي الواقع، كل مستهلك لديه مواقعه المفضلة الخاصة به، على سبيل المثال، يبحث المشترين عن الإيجار في مناطق مثل المعادي ومدينة 6 أكتوبر، بينما يتوجه الباحثون عن منازل ثانية إلى العين السخنة والساحل الشمالي بدلًا من المدن الساحلية الأخرى لأسباب عديدة، نتيجة قربهم من القاهرة، بالإضافة إلى الأسعار المعقولة نسبيًا للوحدات المعروضة وقيمها المقدرة باستمرار.

أسواق أخرى تحقق مكاسب في مصر

خلال فترة الأربع سنوات الماضية، ازدات ثقة المستثمرين بشكل خاص في الأسواق التجارية وتجارة التجزئة والمكاتب. وعندما يتعلق الأمر بالسوق التجاري، ينبغي أن نأخذ في الاعتبار اتجاهات سوق المكاتب الجديدة وأحدث تطورات البيع بالتجزئة، مما يعكس اتجاهات المستهلكين الأكثر نشاطًا والمساهمة في عرض الصورة الكاملة لسوق العقارات في البلاد.

ولقد تمت إضافة ما يقرب من 300.000 متر مربع من مساحات البيع بالتجزئة التي تعتمد على مراكز التسوق إلى سوق القاهرة في عام 2018، ومن المقرر الانتهاء من التطورات الرئيسية قريبًا ومن المتوقع أن تضيف 375.000 متر مربع إلى مساحة التجزئة بالقاهرة في عام 2019، وذلك وفقًا لتقديرات “جي. إل. إل.” اأخيرة .

يشار إلى أنه تم تلبية هذا الطلب المتنامي المتزايد بشكل كبير، حيث ارتفع متوسط ​​إيجارات التجزئة بحوالي 10% في عام 2018. ومن المتوقع حدوث ارتفاع مستمر في الطلب مع استفادة المستهلكين من عدد متزايد من الخيارات والمطورين الذين يقدمون المزيد من التطورات مع أساليب البيع بالتجزئة المختلفة .

إن سوق المكاتب ليس استثناء، لقد حافظ القطاع الفرعي على نمو موسع بوتيرة صحية، حيث كان الطلب على المساحات المكتملة نتيجة نقل الشركات المحلية واستمرار الطلب من الشركات متعددة الجنسيات. كما يشير العدد الهائل من الاستثمار الجاري إلى ارتفاع الطلب خلال الفترة المقبلة.

كجزء من رؤية “إنفستجيت” في الاستجابة للتغيرات التي شاهدتها الأسواق المختلفة في القطاع العقاري واستكشاف الاتجاهات الجديدة الناشئة بين كل من المطورين والمستهلكين، وجدت “إنفستجيت” في وقت سابق، أن هناك توسعًا طفيفًا في تجارة التجزئة والعرض المكتبي، بالإضافة إلى تزايد الطلب القوي على القطاع التجاري.

يذكر أن العقارات التجارية، إلى جانب أسواق البيع بالتجزئة والمكاتب، تمثل مؤشرًا موثوقًا لمعنويات السوق مع ظهور اتجاهات جديدة، مثل مساحات العمل المشتركة والتطورات الطبية، مع سلوك المستهلك وتمهيد الطريق أمام التطوير الشركات لدمج مناهج واستراتيجيات جديدة.

محددات سلوك المستهلك

يجب أن ندرك أن سلوك المستهلك يمكن أن يتأثر بجوانب متعددة، بما في ذلك المحددات الداخلية والخارجية. وهنا تحاول “إنفستجيت” توضيح هذه العوامل وتأثيرها على قرارات المستثمرين:

المحدادات الداخلية: الحافز، والإدراك، والمعرفة والتعلم، مفهوم الذات، نمط الحياة.

المحددات الخارجية: المجموعة المرجعية، والثقافة، والطبقة الاجتماعية، والوضع الاقتصادي.

وختامًا يعتبر المستهلك دائمًا هو المغير الرئيسي في صناعة العقارات، وتعتقد “إنفسيتجيت” أن اللحاق بعادات واتجاهات الاستهلاك في البلد، هو أنجح نهج يمكن المشاركين في سوق العقارات اتباعه.

في الوقت الذي تجري فيه مناقشة عدد من اتجاهات السوق الآن على نطاق واسع عبر مستويات مختلفة، كما يجب الأخذ في الاعتبار الاتجاهات الجديدة والناشئة التي لم تحظى بشعبية في مصر حتى الآن، حيث من المتوقع أن تكتسب زخماً في السنوات المقبلة. وفي ذات الوقت، يجب على المطورين مراعاة تفضيلات المستهلكين في استراتيجياتهم طويلة الأجل، إذا كانوا يرغبون في الوصول إلى أكبر عدد من العملاء.