إحياء التراث المعماري في مصر: الإطار القانوني والاستثماري لدعم إعادة الاستخدام التكيفي

إحياء التراث المعماري في مصر: الإطار القانوني والاستثماري لدعم إعادة الاستخدام التكيفي

في مصر، يزداد الاهتمام بفكرة إعادة الاستخدام التكيفي للمباني مع تطور المدن وتغير أولويات التنمية الحضرية. هذه الطريقة—سواء عبر ترميم المباني التاريخية أو إعادة استخدام المباني الإدارية والتجارية الحديثة—توفر مسارًا مستدامًا لتجديد المدن. تساعد إعادة الاستخدام التكيفي في الحفاظ على التراث المعماري، وتقليل هدر الهدم، والاستفادة من المواقع المميزة دون تكلفة بناء جديدة كاملة. مع اهتمام الحكومة المتزايد بتحسين استخدام الأصول الحضرية القائمة، بدأت تظهر السياسات والحوافز التجريبية التي تعكس الاعتراف بأهمية هذه الطريقة كأداة رئيسية للتنمية المستدامة وجذب الاستثمار الخاص في المناطق العمرانية المجددة.


الأسس القانونية لإعادة الاستخدام التكيفي في مصر

القانون رقم 119 لسنة 2008: قانون البناء – تنظيم تغيير الاستخدام

يوفر قانون البناء رقم 119 لسنة 2008 ولائحته التنفيذية الإطار الأساسي للبناء وإعادة التطوير في مصر. وعلى الرغم من أنه مخصص أساسًا للمشاريع الجديدة، إلا أن القانون يتحكم بشكل غير مباشر في إعادة الاستخدام التكيفي من خلال ضمان السلامة الإنشائية، وتغيير نوع الاستخدام، والالتزام بتصميم حضري متناسق.

يتعين على المطورين الحصول على موافقات لتغيير الاستخدام واتباع معايير السلامة من الحرائق، وتسهيل الوصول، وأداء المباني وفقًا للمعايير الحديثة. ورغم أن ذلك قد يزيد التكاليف، إلا أنه يضمن أن المباني المعاد استخدامها تبقى آمنة ومتوافقة مع المعايير المعاصرة.

القانون رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته: حماية التراث

يشكل القانون رقم 117 لسنة 1983، مع تعديلاته لاحقًا (القوانين رقم 3 لسنة 2010، 91 لسنة 2018، و20 لسنة 2020)، حجر الأساس لإطار حماية التراث في مصر. يعرف القانون ما يُعتبر آثارًا، وينظم أعمال الحفر والترميم، ويمنع تعديل أو هدم أو تغيير استخدام المباني الأثرية المسجلة دون موافقة المجلس الأعلى للآثار.
وبينما لا يتناول القانون إعادة الاستخدام التكيفي مباشرة، فإنه يضمن أن أي تحويل وظيفي أو تطوير للمباني التراثية يحترم طابعها التاريخي، محققًا توازنًا بين التجديد الحضري والحفاظ على التراث الثقافي والمعماري.

القانون رقم 144 لسنة 2006: حماية المباني المميزة معماريًا

يحمي القانون رقم 144 لسنة 2006 المباني ذات القيمة المعمارية أو التاريخية التي لم تُدرج كآثار رسمية. يمنع هدم هذه المباني أو تغييرها بشكل جوهري.
يوفر هذا القانون الأساس القانوني للحفاظ على الواجهات واستمرارية الطابع المعماري، مع السماح بإعادة تصميم الداخل لاستيعاب وظائف جديدة مثل المكاتب، المتاحف، أو مساحات المعيشة المشتركة، بشرط الحفاظ على المظهر الخارجي.

إعادة الاستخدام التكيفي وفقًا لإرشادات NOUH 2025

تتولى الهيئة القومية للمواءمة العمرانية (NOUH)، التابعة لوزارة الثقافة، حماية التراث المعماري والحضري في مصر. في وثيقة “الحدود التاريخية والخديوية 2025″، تحدد NOUH إعادة الاستخدام التكيفي كأداة رئيسية للحفاظ المستدام، مع التركيز على إعادة استخدام المباني التاريخية مع الحفاظ على طابعها الأصلي.
تشجع هذه اللوائح الاستثمار وإعادة الاستخدام دون التأثير على أصالة المباني، مما يدعم إحياء نسيج وسط القاهرة التاريخي من خلال تطوير حساس للسياق.

الحوافز الاستثمارية لدعم إعادة الاستخدام التكيفي

سياسات الحكومة لدعم إعادة التطوير

وسعت مصر مؤخرًا الإطار الاستثماري لتشجيع إعادة الاستخدام التكيفي للمباني، خصوصًا في المناطق المركزية والمناطق التراثية. بموجب قانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017 وتعديلاته 2023، يحصل المستثمرون في مشاريع إعادة التطوير أو تحويل الاستخدام على إعفاءات ضريبية، وإعفاءات جمركية، وتسريع إصدار التراخيص، لتسهيل تحويل المباني القديمة إلى أصول منتجة مثل الفنادق والمكاتب أو المشاريع متعددة الاستخدامات.

حوافز تحويل المباني للفنادق أو الاستخدام المختلط

في 2025، قدم مجلس الوزراء إطارًا جديدًا لتشجيع تحويل المباني السكنية والتجارية ومتعددة الاستخدام إلى فنادق. تشمل السياسة إعفاء المشاريع المؤهلة من رسوم تحسين المباني وفقًا لقانون البناء 119/2008، بهدف زيادة القدرة الفندقية وجذب الاستثمار الخاص.
يشترط التأهيل الحصول على موافقات وزارة السياحة والمجلس الأعلى للتخطيط العمراني، وبدء التشغيل ضمن المدد المحددة حسب حجم المشروع. عدم الالتزام يؤدي إلى فقدان الحافز.

الدمج مع سياسات البناء الأخضر والمستدام

تشجع وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة إعادة الاستخدام التكيفي عبر نظام التصنيف المصري للبناء الأخضر (GPRS)، الذي يهدف لتقليل استهلاك الطاقة والأثر البيئي. تساعد إعادة استخدام المباني القائمة في الحفاظ على الموارد وتقليل نفايات البناء، وقد تستفيد المشاريع المؤهلة من تسهيلات في التراخيص وتقليل رسوم توصيل المرافق.

تراخيص بيوت العطلات لتعزيز إعادة الاستخدام

أصدر وزير السياحة والآثار قرارًا ينظم تراخيص بيوت العطلات وفقًا للقوانين 8/2022 و27/2023. يسمح القرار بتحويل الوحدات السكنية والفيلات القائمة إلى إقامات سياحية مرخصة، مما يسهل الإجراءات ويحسن جودة الخدمات. يدعم هذا التنظيم الاستثمار في تطوير المباني القائمة واستخدامها بشكل مستدام.

الخلاصة

تشكّل الأطر القانونية في مصر المتمثلة في القوانين 119/2008 و117/1983 144/2006 إطارًا واضحًا ومعقدًا لإعادة الاستخدام التكيفي. بينما يوفر قانون الاستثمار 72/2017 والحوافز المرتبطة بالاستدامة والفنادق حافزًا استثماريًا قويًا لإعادة تخيل التراث المعماري المصري.

من خلال تطوير هذه الآليات وتشجيع التعاون بين الحكومة والمطورين وخبراء الحفاظ على التراث، تستطيع مصر تحويل مبانيها التاريخية إلى محركات حيوية للتجديد الحضري والاقتصادي والثقافي.

تسجيل الدخول

Welcome! Login in to your account

تذكرنيفقدت كلمة المرور؟

فقدت كلمة السر