أثناء احتفالنا برمضان هذا العام، فإننا نولي اهتمامًا أكثر بأحد المجتمعات المؤسفة في مصر، لكي نتعمق أكثر في حياتهم وكفاحهم اليومي، بهدف تحسين ظروف معيشتهم. نحن نفخر بتبني مستعمرة الجذام في مصر لكي نحارب من أجل شعارنا في رمضان وهو “حان الوقت لرد الجميل”.

وتحت شعار “حان الوقت لرد الجميل”، تستضيف “إنفستجيت” أول سحور لها بعنوان “باب العز” في قطاع العقارات في رمضان، لرد الجميل لمجتمع الجذام في جميع أنحاء مصر. ومن خلال هذا الحدث، تهدف “إنفستجيت” إلى جمع تبرعات ضخمة من كبار المطورين في مصر لدعم مرضى الجذام وتزويدهم بالأدوية، بالإضافة إلى المساعدة في إجراء العمليات مثل جراحات بصرية أو بتر الأطراف والمفاصل المتأثرة. وبشكل عام، سيتم توجيه العائدات لتزويد مجتمع الجذام بضرورات الحياة الأساسية.

ما هي الصورة التي يستحضرها عقلك عن الجذام؟ قد يكون تصوير المرض على شاشات التليفزيون والأفلام والإنترنت، الذي يرسم صورة خيالية لجميع مرضى الجذام الذين يتم تشوههم بشدة، عاملاً محوريًا وراء التحيز المحيط بالمرض. ولكن على أرض الواقع فإن الوضع مختلف تمامًا.

ويعرف مرض الجذام باسم مرض “هانسن” أيضًا، هو مرض مزمن يصيب الجلد والأعصاب المحيطية والجهاز التنفسي العلوي والعينين، مما يؤدي إلى تشوه جسماني وإعاقة، إذا ترك المرض دون علاج. وعلى الرغم من وصمة العار التي استمرت قرون، والتي هي بالتأكيد مؤلمة مثل الأعراض، فإن الجذام ليس وراثي وليس شديد العدوى.

ولقد أظهرت أحدث الأرقام الصادرة عن منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 85 % من الحالات السريرية غير معدية ويمكن علاجها عن طريق العلاج بالعقاقير المتعددة، مما يمنع انتقال المرض، كل ذلك فقط إذا تم اكتشافه مبكرًا، ويمكنه منع الإعاقة المرتبطة بالتشخيص المتأخر. من المحتمل أن ينتقل الجذام أثناء الاتصالات الوثيقة والمتكررة مع الحالات غير المعالجة.

 

وبائيات الجذام في مصر

“منذ عام 1994، حققت مصر هدف منظمة الصحة العالمية العالمي المتمثل في القضاء على مرض الجذام، وهو الحد من انتشار الإصابة إلى أقل من واحد لكل 10.000 نسمة، وعلى الرغم من ذلك، لا تزال هناك محافظات لا يوجد بها علاج، لذلك توجد معدلات أعلى لانتشار المرض. ولقد أدت الجهود المستمرة منذ عام 2004 إلى تقليل عدد هذه المحافظات”، وذلك وفقًا لمكتب منظمة الصحة العالمية الإقليمي لشرق المتوسط ​​في مايو 2018.

وأضاف التقرير أنه “ما يقرب من 60 % من الحالات الجديدة التي تم اكتشافها كل عام في مصر هي من ست محافظات فقط، عبر صعيد مصر. هذه المحافظات لم تصل بعد إلى هدف الإقصاء الوطني، حيث أنه ما يقرب من 6 % من الحالات الجديدة المبلغ عنها سنويًا هم أطفال تقل أعمارهم عن 15 عامًا”.

ومن خلال التعمق أكثر في معاناة مرضى الجذام في مصر، ففي عام 1932، بعد ظهور المرض بفترة طويلة ، أنشأت وزارة الصحة أول مستشفى متخصص لمكافحة مرض الجذام، المعروف باسم ” مستعمرة أبو زعبل للجذام”.  وتقع المؤسسة على بعد ساعة شمال القاهرة، حيث تقع  في منطقة أبو زعبل التي يحيط به مصانع صحراوية وعسكرية واسعة. منذ تأسيسها، انتقلت المستعمرة من ظروف قاسية ونقص التمويل إلى منشأة حكومية جيدة التنظيم نسبيًا.

بالإضافة إلى مستعمرة أبو زعبل، يوجد مركز آخر للجذام في العامرية بالإسكندرية، وهي مثل المستشفى لا يتسع لأكثر من 50 مريضًا.

وقالت دينا حسين، إحدى أعضاء “جمعية أصدقاء مرضى الجذام”، إن الجهود المبذولة لكبح المرض تم مقابلتها بمقاومة شديدة من المرضى أنفسهم لاختيارهم البقاء معزولين وتجنب التماس العلاج، وترك عدد الحالات الجديدة في حالة ركود. ويرجع ذلك إلى حقيقة أن مرضى الجذام غالبًا ما يتم نبذهم وتنفيرهم في المجتمع المصري، حتى من قِبل عائلاتهم، بسبب بعض المعتقدات والقوالب النمطية التي أدت في النهاية إلى عزل وفصل مجتمعات الأشخاص المصابين بالجذام.

وقالت “حسين” لـ “إنفستجيت” إنه “في وقت سابق، استأجرت الحكومة راهبات من الخارج لعلاج مرضى مستعمرة أبو زعبل لأنه لا يوجد أي ممرضات مصريات يقتربن من المستعمرة”.

وأضافت أن مرضى الجذام “يعانون من أمراض أخرى مثل أي شخص آخر، بما في ذلك ضغط الدم والسكر ومشاكل الكلى، كما أن المستشفيات العادية ترفض قبولهم بسبب الأمراض اليومية”.

وأكدت أنه لا يزال مرضى الجذام يعانون من الخرافة تمامًا مثل الإيدز، لذلك يصبح هناك خوف بشكل خاص في الأطباء أو الجراحين الذين يخشون التعرض للكشف ويكونوا على اتصال مع مرضى الجذام، مما يؤدي إلى تركهم دون علاج وإهمال”.

وأشارت “حسين” إلى أنه لا يوجد مستشفى في مصر تسمح بإجراء أي عمليات جراحية أو جراحات لمرضى الجذام، باستثناء شركة “كاريتاس” مصر التابعة لاتحاد “كاريتاس” الدولي الذي يتخذ من روما مقراً له، وهو متخصص لتعزيز حياة المرضى في مستشفى الجذام، أثناء التعاون مع المستشفيات العامة لعلاج أولئك الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف رعاية طبية جيدة.

 

أرقام وحقائق عن مرضى الجذام في مصر

  1. يوجد 560 مريضًا بمستعمرة أبو زعبل.
  2. هناك 85 مريض جذام يتلقون العلاج بمستعمرة العامرية.
  3. ما يقرب من 24 عيادة خارجية في أغلب المحافظات لعلاج مرضى الجذام خارج مستعمرة أبو زعبل.
  4. أغلب مرضى الجذام في المحافظات الثلاث بني سويف والفيوم وقنا.
  5. هناك ما يقرب من 1790 مريض جذام في محافظة قنا فقط.

 

تحديات مرض الجذام

إذا لم يتم العلاج من مرض الجذام من الممكن أن يؤدي إلى تلف دائم لجلد المريض والأعصاب والذراعين والساقين والقدمين والعينين. وفقًا لما قالته “حسين”، فإن غالبية المرضى يعانون من مشاكل أخرى، خاصة فقدان الإحساس في اليدين أو القدمين أو العينين، مع أو بدون شلل حركي وتشوهات مصاحبة. بالإضافة إلى أنه من المؤكد أن الأجزاء المصابة ستتسبب في المزيد من المضاعفات والعيوب الثانوية مثل تقرح الأنسجة الرخوة وتصلب المفاصل وتدمير بنية الهيكل العظمي، خاصةً إذا لم يتم الاعتناء بها جيدًا. وحتمًا ستؤدي هذه المضاعفات إلى تفاقم العجز، وتجعل تصحيح التشوهات أكثر صعوبة أو مستحيلا، وفي النهاية كل ذلك يعوق المريض بشدة.

وأكدت “حسين” أنه “وعلى الرغم من ذلك، يمكن احتواء حدوث هذه الإعاقات الثانوية بالكامل من خلال اتخاذ التدابير اللازمة”.وبالنسبة للمبتدئين، يتم إجراء الجراحة، كتدخل في حل مرض الجذام ومضاعفاته، على المرضى، الذين يخضعون بالفعل للعلاج المضاد للجذام. لذلك، يتم دمج العمليات الجراحية الوقائية والتصحيحية مثل تخفيف الضغط العصبي ونقل الأوتار و البتر الجزئي بسلاسة في مسار العلاج.

ولكن مع رفض الممارسين الطبيين أن يكونوا على اتصال وثيق مع مرضى الجذام، إلى جانب عزلهم وتمييزهم بشكل مطلق، فإن المصابين بهذا المرض يتركون في أماكن محدودة عندما يتعلق الأمر بالتدخلات الجراحية، وهي مستعمرة أبو زعبل و مستشفى “كاريتاس”. على الرغم من ذلك، “ما زال مرضى الجذام يطالبون بالحصول على الرعاية الطبية الأساسية”.

ووفقًا لـ “حسين”: “تفتقر مستعمرة أبو زعبل إلى الأجهزة وأنواع المعدات اللازمة لإجراء مثل هذه العمليات الجراحية، بالإضافة إلى ذلك، فإن العلاجات المستخدمة لعلاج الأمراض غير الجذام غير كافية لعلاج المرضى جميعًا”.

وأضافت أن أن العقاقير مجانية في جميع المستشفيات الحكومية، ولكن لا توجد أموال كافية لتوفير المزيد من الرعاية الطبية للأمراض الأخرى مثل مرض السكر وفشل الكلى، والأمراض الأخرى”.

ما الذي تحتاجه مستعمرة الجذام

 

عند سؤالها عن طرق احتواء هذا النقص الذي تعاني منه المستعمرة، حثت دينا حسين، الشعب بأكمله على المساعدة في تصوير صورة إيجابية عن الجذام وزيادة الوعي بالمرض بين أفراد المجتمع، بالإضافة إلى توفير الموارد المالية الكافية لهؤلاء المرضى.

وتابعت أنه يمكن للجهات المانحة المهتمة بالمساهمة في تقديم حياة أفضل لمرضى الجذام، من خلال توفير الأموال الموجهة نحو توفير الإجراءات الجراحية والأجهزة والمعدات والأدوية اللازمة. فعلى سبيل المثال، يتكلف جهاز التعقيم 7000 جنيه، في حين أن عمليات إعتام عدسة العين، والتي يتم إجراؤها لمنع مرضى الجذام من العمى، تتراوح ما بين 15.000 و 200.000 جنيه.

 

إن الهدف النهائي لمرضى الجذام في مصر هو هدف طموح، سواء للعيش حياة طبيعية داخل مجتمعاتهم أو حتى تلقي العلاج المناسب والاستمرار في حياتهم. كما يجب تغيير التصور العام تجاه هؤلاء الأشخاص أولًا حتى يتمكنوا من الوصول إلى احتياجاتهم الأساسية وحقوق الإنسان.

ولخصت “حسين” قائلة  “لا يمكنك أن تتخيل مدى سعادة مريض الجذام عندما تصافح يده فقط ، يبدو الأمر كما لو أنك أخبرته أنه لا يزال إنسانًا، إنه يستحق ذلك”.

وهناك شكرًا خاصًا للغاية يجب أن نقدمه لأحد المخرجين المصريين أبو بكر شوقي، الذي ألقى الضوء على هذا المجتمع المفقود في فيلمه الإنساني الدرامي “يوم الدين” الذي نال استحسان النقاد خلال مهرجان كان السينمائي العام الماضي. وكان الفيلم من بطولة نجم من مرضى الجذام راضي جمال، لأن بدونه فإن هذا المجتمع كان سينسى إلى الأبد.