شهد المشهد العقاري المصري عدد من الرياح الاقتصادية والسياسية المعاكسة، بعد القرار الخاص بتعويم الجنيه، مما دفع الشركات إلى الإبداع في تصميم وتمويل وتسويق المشروعات. وعلى الرغم من ذلك، ومع تقلبات أسعار صرف الدولار الأمريكي وقرارات خفض الدعم الأخيرة، أصبح هناك العديد من الأسئلة التي طرحت في هذه المرحلة، مثل: كيف أثر تعويم الجنيه المصري على قطاع الإسكان من حيث تكاليف التنفيذ؟ وسيكون السؤال الأكثر تحديداً هو: كيف ستؤثر الزيادات الأخيرة على كلًا من المطورين والمقاولين؟

وللإجابة على كل هذه الأسئلة، تفحص “إنفستجيت” الصورة الأكبر لتقييم كل هذه المخاوف من وجهة نظر استراتيجية، وتحديد وسائل التعامل مع ارتفاع التكاليف وتغيير اتجاهات السوق العقاري، وتقديم بعض التوقعات حول كيفية تطور هذه المشكلة.

تكاليف التنفيذ

إن قطاعي العقارات والبناء هما وجهان لعملة واحدة، وهما دائمًا جنبًا إلى جنب ويعزز بعضه بعضًا، حيث أن كلًا منهم يساهم في إبراز الآخر. وفيما يتعلق بصناعة البناء في مصر، فهي تستعد لأفضل وأسوأ الأوقات.

لقد وضعت الدولة قطاع البناء في صميم جدول أعمالها الاقتصادي، مما يضمن وجود العديد من العقود المتاحة في المستقبل القريب. وفي المقابل، أدت الجهود المبذولة لإصلاح الظروف الاقتصادية، من خلال إزالة دعم الوقود وتعويم الجنيه المصري في نوفمبر 2016، إلى تشكيل  بعض الضغوط على الأسعار وبعض الآثار الضارة على المقاولين.

ولقد صرح الدكتور طارق الملا، وزير البترول والثروة المعدنية، في بيانٍ له، بأن وزارة البترول أعلنت في يونيو 2017، عن ارتفاع أسعار الوقود بنسبة تصل إلى 50 %، لتلبية شروط اتفاقية قرض صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار، وتعد هذه ثاني زيادة منذ تعويم الجنيه. بالإضافة إلى ذلك، وفي إطار الجولة الأخيرة من إلغاء الدعم في يونيو 2018، ارتفعت أسعار الوقود لمصنعي الطوب والأسمنت بنسبة 40 %، من 2.500 جنيه إلى 3500 جنيه للطن.

وقال الدكتور محمد شاكر، وزير الكهرباء، إن خفض دعم الوقود أدى إلى التأثير بشدة على السوق المصرية، علاوة على ذلك لقد ارتفعت أسعار الكهرباء أيضًا في جميع المجالات. ومع بدء الجولة الأولى من الزيادة في أغسطس 2016، تم تطبيق تخفيضات جديدة على دعم الكهرباء في يونيو 2018، مما أدى إلى رفع الأسعار بمعدل 26 % في يوليو 2017، وارتفاع بنسبة 42 % في تكاليف الكهرباء للمصانع. علاوة على ذلك، قالت الحكومة إنه سيتم إلغاء دعم الكهرباء بالكامل بحلول نهاية السنة المالية 2021/2022، بهدف الحفاظ على برنامج إصلاح الدعم في البلاد لكي يسير في المسار الصحيح.

ومن خلال دمج السلالات الميكانيكية والكهربائية، قال  مطورو العقارات إن تكلفة المواد الخام قفزت بنسبة 300 % منذ عام 2015، مما سيؤدي إلى الارتفاع المتزامن في أسعار الوحدات، وذلك وفقًا لتقرير مجموعة “أكسفورد بيزنس”، بعنوان “التقرير: مصر 2018”.

وأكد علاء فكري، الرئيس التنفيذي لشركة “بيتا مصر” للتنمية الحضرية، “أن الشركة شهدت ارتفاعًا بنسبة 80 % في التكاليف المخططة، بسبب الارتفاع في أسعار البناء بعد تعويم الجنيه”. كما قال أحمد صبور، الرئيس التنفيذي لـ “الأهلي صبور” للتطوير العقاري، في مائدة مستديرة قامت بتغطيتها “إنفسجيت” في 10 مارس، “بعد قرار تعويم الجنيه، ارتفعت تكاليف التنفيذ بنسبة 42 %”، ولذلك هناك توقعات بزيادة أسعار الوحدات بنسبة 20%، وخاصة بعد ارتفاع أسعار الوقود، وكذلك ارتفاع أسعار الصلب والأسمنت.

كما ارتفعت أسعار منتجات الصلب بنسبة 100 % تقريبًا، حيث وصلت إلى 9000-9600 جنيه للطن في يونيو 2017، مقابل 7500 جنيه في العام الماضي.

وقال أحمد الزيني، رئيس قسم مواد البناء في اتحاد غرف التجارة المصرية، في مؤتمر صحفي، إن أسعار الأسمنت ارتفعت بنفس القيمة، حيث سجلت 750-900 جنيه للطن في يونيو 2017 مقابل 550 جنيه في العام الماضي، وعلى الرغم من ذلك، توقع الزيني، أنه في الفترة المقبلة ستشهد أسعار الأسمنت انخفاضًا، وذلك بعد أن يبدأ مصنع أسمنت بني سويف العمل بكامل طاقته، بالإضافة إلى عودة عمليات مصانع سيناء بشكل منتظم بعد توقف طويل للإنتاج في مصنع العريش للأسمنت.


 

 تأثير التعويم على السوق الأولية

مما لا شك فيه أن الزيادات في الأسعار كان لها بعض التأثيرات غير المباشرة على سوق العقارات المصري،  حيث أن مطوري العقارات قد اضطروا بالفعل إلى رفع أسعار الوحدات في ظل هذه الظروف بسبب الزيادة اللاحقة في تكاليف التنفيذ. وفي غضون أسبوع أو أسبوعين بعد خفض قيمة العملة، ارتفعت أسعار أغلب شركات الإسكان بنسبة 15 إلى 20 % من أجل الحفاظ على الأرباح.

وفي هذا الصدد، يجب إجراء تحليل شامل لأرباح مطوري العقارات على مدار فترة السنوات الأربع الماضية، بالإضافة إلى مقارنة أدائهم بين الحين والآخر. نتيجة كل هذا، افترض البعض أنه قد تنشأ مشكلة القدرة على تحمل التكاليف خاصة في خط الإمدادات، ولكن لم يكن هذا هو الاتجاه الغالب لمعظم الشركات، خاصة للشركات التالية: مجموعة طلعت مصطفى القابضة، وبالم هيلز للتطوير العقاري، وإعمار مصر، ومدينة نصر للإسكان والتطوير، وبورتو جروب.

وبعد تجاوز كل هذه الصعاب، أدت المبيعات القوية خلال الفترة الماضية، إلى بقاء قطاع العقارات على المسار الصحيح، حيث نجح أغلب المطورين العقاريين في تحقيق زيادة كبيرة في المبيعات والإيرادات وصافي الأرباح. وبشكل عام، ارتفعت إيرادات الشركات العقارية، التي تم ذكرها سابقًا، في البورصة إلى 3.7 مليار جنيه في التسعة أشهر الأولى من عام 2018، من 2.4 مليار جنيه مقارنة بعام 2016، بينما سجلت أرباحًا صافية بلغت 916 مليون جنيه في الربع الأول من عام 2018 مقابل 545 مليون جنيه في عام 2016.

كما شهد المطورون السابق ذكرهم، ارتفاعًا في المبيعات المتعاقد عليها، حيث سجلوا ما يقرب من 8 مليارات جنيه خلال التسعة أشهر الأولى من عام 2018، مقارنة بـ 3.8 مليون جنيه في عام 2016، حيث حققت كلًا من مجموعة طلعت مصطفى القابضة وشركة بالم هيلز للتطوير، مبيعات قياسية بلغت 21.3 مليار جنيه و10.5 مليار جنيه، على التوالي، في العام المالي 2018.

إن الأداء الاستثنائي في قطاع العقارات إلى جانب التقلبات في العملة المحلية، وارتفاع معدلات التضخم، كل ذلك أدى إلى جذب المشترين إلى سوق الاستثمار العقاري. ويرجع السبب في ذلك هو أن المستهلكين لديهم حافز أكبر للشراء الآن بدلًا من الانتظار، وخاصة أولئك الذين يتطلعون إلى أخذ احتياطهم ضد ارتفاع الأسعار بعد تعويم الجنيه، حيث أنهم يعتقدون أن ملكية المنازل فرصة استثمار مستقرة، على الرغم من فترات عدم الاستقرار المختلفة. ونتيجة لذلك، إن الطلب على العقارات تجاوز العرض، وسط الضغوط على المطورين لرفع الأسعار بشكل أكبر بسبب النقص في العملات الأجنبية، وارتفاع تكاليف البناء، وضعف العملة المحلية.

ولقد صرح فتح الله فوزي، مؤسس مجموعة “مينا” ، لـ “إنفسجيت” في يناير الماضي، بأن هناك ما يقرب من 150 مطورًا يعملون حاليًا في السوق المصري، ويقدمون 25.000 وحدة سنويًا للإسكان من الطبقة المتوسطة-العليا والطبقة العليا، ويقع 80 % منها في القاهرة الكبرى وخاصة في حدودها الشرقية والغربية. وعلى الرغم من ذلك، أكدت “كوليرز” الدولية أن هذا العرض لا يزال قليل، كما تتوقع أن تكون هناك حاجة إلى ما يقرب من 90.000 إلى 100.000 وحدة سنويًا بحلول عام 2020 لسد تلك الفجوة. وبالتالي، هناك فرصة كبيرة لزيادة الإيرادات بين القطاعات الكبيرة.

 


 

إذًا ما هو التالي في سوق العقارات؟

إن الوعد بتقدير قيمة العقارات أدى إلى زيادة الطلب على العقارات حتى الآن، ولكن ارتفاع التضخم قد يضعف بشدة قدرة المشترين على شراء المنازل. وعلى الجانب الآخر، لا يزال بعض المطورين متفائلين بوجود احتمالات تقدم القطاع العقاري، كما تشير اتجاهات معينة إلى حدوث تحسن وشيك في القطاع.

ويتوقع فكري أن يشهد الربع الأول من عام 2019 انخفاضًا في مبيعات العقارات مقارنة بالعام الماضي، مرجعًا السبب في ذلك إلى ارتفاع الأسعار المتوقعة والضرائب المضافة، وبالتالي كل ذلك سينعكس على تكاليف الوحدة والقوة الشرائية للمستهلكين.

كما أشار إلى أن أسعار الفائدة للأراضي التي تقدمها هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة تعد مرتفعة، مضيفًا أنه يجب على الهيئة إعادة النظر في أسعار الفائدة من أجل تحفيز تنمية المناطق الحضرية في البلاد.

ومن ناحية أخرى، إن الارتفاع في الطلب في سوق العقارات يرجع إلى حد كبير، وإن لم يكن على وجه الحصر، إلى المستخدمين النهائيين. ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة كبيرة لزيادة وحدات الإسكان لفئة الدخل المنخفض، التي لا يستحوذ عليها مطورو القطاع الخاص. من الممكن أن تكون هذه النسبة من السكان هامة جدًا للمستثمرين المحتملين، إذا قامت شركات العقارات باستهدافهم بشكل مناسب. لذلك لقد حان الوقت بالتأكيد للمطورين العقاريين لمعرفة وسائل إضافية لتوفير الكثير من المساكن بأسعار معقولة من أجل تلبية الطلب من جميع الفئات، وليس فقط تلك التي تستهدف الطبقة الراقية، من أجل تأمين ارتفاع الطلب والربح.

وفي الوقت الحالي، ربما يبدأ مطورو العقارات في اكتساب الثقة في تطبيق مثل هذه الآليات لتحقيق إحدى النتائج الإيجابية لتعويم الجنيه المصري، حيث أن شركات البناء المصرية تتطلع الآن، أكثر من أي وقت مضى، إلى تعظيم استخدام المواد المحلية. علاوةً على ذلك، تبذل الحكومة جهودًا لبناء مصانع ومناطق صناعية جديدة لإنتاج المواد الخام. كل هذا يعد أخبار جيدة لكلٍ من المقاولين والمطورين، وبالتالي سينعكس بالتأكيد على تكاليف التنفيذ والتشغيل، وقد يؤدي أيضًا إلى أداء سوقي أكثر استقرارًا وأسعار ثابتة للوحدات في المستقبل.

وختامًا، لا يوجد حل بسيط لمشاكل الإسكان في مصر، خاصة في القطاع الخاص، ولكن ما يمكن أن تتوقعه “إنفستجيت” هو زيادة الطلب على العقارات، على الرغم من أن الطلب  لا يزال محدودًا نسبيًا في الوقت الحالي. وبالرغم من التأثيرات الضاربة التي أثرت على السوق بشكل عام، إلا أن التوقعات على المدى المتوسط ​​والطويل تبدو واعدة بشكل كبير، مع تزايد المنافسة بين المطورين والمبيعات بشكل مطرد مع الطلب والعرض. وكل هذا يشير إلى حقيقة أن قطاع العقارات كان يُنظر إليه في الفترة الماضية على أنه رهان مالي آمن وسيظل على هذا النحو نتيجة استقرار العملة المحلية وزيادة الاستثمارات الأجنبية.