خلال السنوات الأخيرة، كثّفت الدولة المصرية جهودها لإعادة هيكلة السوق العقاري بوصفه أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر. ومع تنفيذ برنامج توسع عمراني واسع النطاق شمل إنشاء مدن جديدة ومناطق استثمارية متكاملة، اتجهت السياسات الحكومية إلى ترسيخ مبادئ الحوكمة، وتعزيز الشفافية، وبناء أطر تنظيمية تواكب المعايير الدولية.
وفي هذا الإطار، برزت أهمية ضبط حلقات السوق الأكثر اتصالًا بالمستثمر النهائي، وعلى رأسها نشاط الوساطة العقارية، الذي يلعب دورًا محوريًا في عمليات التسويق والبيع وتدفق المعلومات داخل السوق. ورغم النمو الكبير في حجم الاستثمارات العقارية، ظل هذا النشاط لفترة طويلة يعمل دون إطار تنظيمي شامل، ما مثّل تحديًا أمام جذب شرائح أوسع من الاستثمارات الأجنبية.
ومن هنا، جاء القرار الحكومي الصادر عن وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية رقم 578 لسنة 2025، بتحديد أنواع وفئات السماسرة العقاريين المقيدين بسجل رسمي، كخطوة مؤسسية تستهدف تنظيم نشاط الوساطة العقارية، ومواءمة السوق المصري مع أفضل الممارسات العالمية، وتعزيز ثقة المستثمرين المحليين والدوليين في أحد أكبر الأسواق العقارية بالمنطقة.
القرار لا يأتي في فراغ، بل في توقيت يشهد فيه القطاع العقاري المصري نموًا غير مسبوق، حيث تشير تقديرات حكومية إلى مساهمة القطاع بنسبة 20% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعله من أكبر القطاعات الاقتصادية وأكثرها تشابكًا مع الاستثمار والتشغيل والتمويل.
سوق بحجم تريليون جنيه… ووساطة بلا إطار تنظيمي
خلال السنوات الأخيرة، تجاوز حجم الاستثمارات العقارية في مصر تريليون جنيه سنويًا، مدفوعًا بالتوسع في إنشاء المدن الجديدة، وعلى رأسها العاصمة الإدارية الجديدة، والعلمين الجديدة، والمنصورة الجديدة، إلى جانب الطفرة في مشروعات التطوير متعدد الاستخدامات.
ورغم هذا الحجم الضخم، ظل نشاط الوساطة العقارية يعمل لفترة طويلة دون إطار تنظيمي شامل، حيث تشير التقديرات إلى أن عدد العاملين في السمسرة العقارية في السوق المصري يتجاوز الآلاف، نسبة كبيرة منهم خارج أي منظومة تسجيل أو تأهيل مهني معتمد.
هذا الوضع انعكس على عدة مستويات منها: تفاوت حاد في جودة الخدمات العقارية، وارتفاع معدلات النزاعات بين المطورين والعملاء، وانتشار ممارسات تسويقية غير منضبطة، بالإضافة إلى ضعف ثقة شريحة من المستثمرين، خاصة الأجانب.
السجل العقاري… أداة ضبط سوق لا غنى عنها
في ضوء النمو السريع الذي يشهده القطاع العقاري المصري، بات من الضروري إنشاء منظومة تنظيمية تُنظّم حلقات السوق الحيوية، وعلى رأسها نشاط الوساطة العقارية. ومن هذا المنطلق، يأتي قرار إنشاء سجل رسمي للسماسرة العقاريين كخطوة استباقية لبناء قاعدة بيانات دقيقة للعاملين في هذا النشاط، تمكّن الجهات المعنية من تصنيفهم وفق فئات واضحة، وربط ممارسة المهنة بضوابط قانونية ومهنية صريحة.
ولا يقتصر الهدف من السجل على توثيق الأسماء فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى خلق منظومة احترافية قادرة على رفع جودة الأداء وضمان حماية أطراف السوق كافة.
ويرى الخبراء أن السجل يمثل حجر الأساس لمرحلة جديدة في السوق العقاري المصري، لما يوفره من بنية تنظيمية تُسهم في تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية، من بينها:
الفصل بين السمسار المحترف والممارس العشوائي: يتيح السجل تمييز الوسطاء المؤهلين والمسجلين عن أولئك الذين يمارسون النشاط دون مؤهلات أو إشراف، مما يحسن مستوى الخدمات ويحد من الممارسات غير المنظمة.
رفع كفاءة العاملين عبر التدريب والاعتماد المهني: يوفر النظام إطارًا لتقديم برامج تدريبية معتمدة تؤهل الوسيط للتعامل مع العمليات المعقدة بكفاءة مهنية عالية، بما يتماشى مع المعايير الدولية.
تقليل المخاطر القانونية على المستثمرين: بوجود قاعدة بيانات موثوقة وضوابط واضحة، تصبح عمليات الوساطة خاضعة لإجراءات قانونية معتمدة، ما يحد من النزاعات ويعزز الحماية القانونية لكافة الأطراف.
تعزيز الشفافية في تداول المعلومات العقارية: يساهم التنظيم في خلق سوق أكثر شفافية، حيث يُمكن تتبع أداء الوسطاء وسجل تعاملاتهم، ما يدعم اتخاذ قرارات استثمارية مبنية على معلومات موثوقة.
بذلك، لا يُعد السجل مجرد إجراء إداري، بل يمثل خطوة هيكلية نحو تعزيز الثقة والاستقرار في سوق يعتبر من أهم القطاعات الاقتصادية في مصر.
الدول الكبرى والوساطة العقارية
عند مقارنة السوق المصري بالأسواق العقارية المتقدمة، يتضح أن تنظيم نشاط الوساطة العقارية يمثل أحد الركائز الأساسية لتعزيز الشفافية وتقليل المخاطر الاستثمارية.
ففي الولايات المتحدة، يعمل أكثر من 3 ملايين وسيط عقاري مرخّص ضمن أطر قانونية وتدريبية صارمة، ما أسهم في رفع كفاءة السوق والحد من النزاعات. وفي المملكة المتحدة، يضم القطاع أكثر من 25 ألف وكالة وساطة عقارية خاضعة لقواعد إفصاح واضحة وأنظمة إلزامية لفض المنازعات، الأمر الذي عزز ثقة المستثمرين المؤسسيين.
أما في الإمارات العربية المتحدة، وتحديدًا دبي، فيتجاوز عدد الوسطاء العقاريين المسجلين نحو 30 ألف وسيط، ولا يُسمح بممارسة النشاط دون ترخيص رسمي، وهو ما انعكس في تدفقات استثمارات عقارية أجنبية مباشرة بمليارات الدولارات سنويًا.
وفي هذا الإطار، يُنظر إلى القرار المصري باعتباره خطوة استراتيجية لتقريب السوق المحلي من المعايير التنظيمية العالمية، بما يدعم جاذبيته أمام المستثمرين الأجانب ويعزز استدامة النمو في القطاع العقاري.
«إنفستجيت» تضع أسس تنظيم سوق الوساطة العقارية
وفي هذا الإطار، عقدت «إنفستجيت» خلال عام 2022 مائدة مستديرة ناقشت أبرز ملامح مستقبل سوق الوساطة العقارية في مصر، في توقيت بالغ الأهمية يشهد فيه القطاع تحولات تنظيمية متسارعة.
وأسفرت المناقشات عن مجموعة من التوصيات المحورية التي تعكس رؤية متكاملة لتطوير منظومة الوساطة العقارية، من خلال التأكيد على ضرورة تنظيم المهنة تشريعيًا، وإنشاء جهة رقابية مستقلة، وتطبيق نظام ترخيص إلزامي للوسطاء العقاريين، إلى جانب وضع ضوابط واضحة لنسب العمولات للحد من العشوائية وحماية حقوق العملاء.
كما شددت التوصيات على أهمية رقمنة نشاط الوساطة العقارية، وإنشاء منصة وطنية موحدة تضم قاعدة بيانات شاملة عن المنتج العقاري المصري، بما يسهم في تعزيز الشفافية وتسهيل وصول المستثمرين، لا سيما الأجانب، إلى المعلومات.
وأكدت المناقشات كذلك ضرورة رفع كفاءة العاملين بالقطاع عبر التأهيل الأكاديمي والتدريب المهني المستمر، وترسيخ قواعد السلوك والأخلاقيات المهنية، بما يدعم استدامة السوق ويعزز جاذبيته الاستثمارية.
وتبرز هذه المائدة المستديرة دور «إنفستجيت» كمنصة فاعلة للحوار بين أطراف السوق وصنّاع القرار، من خلال طرح رؤى عملية وتوصيات قابلة للتنفيذ تسهم في تقنين سوق الوساطة العقارية، ووضع مصر على خارطة تصدير العقارات العالمية، وجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
الوساطة العقارية تدخل عصر الحوكمة
في المحصلة، لا يُنظر إلى تنظيم نشاط الوساطة العقارية باعتباره إجراءً إداريًا عابرًا، بل كحلقة أساسية ضمن عملية أوسع لإعادة هيكلة السوق العقاري المصري وتعزيز قدرته التنافسية إقليميًا ودوليًا. فمع تضخم حجم الاستثمارات وتزايد اهتمام المستثمرين الأجانب بالسوق المحلي، تصبح الحوكمة والشفافية والضبط المؤسسي عناصر لا غنى عنها لضمان استدامة النمو.
ويمثل إنشاء سجل رسمي وتنظيم ممارسة المهنة خطوة نحو بناء سوق أكثر انضباطًا واحترافية، يعزز ثقة المستثمر، ويحمي حقوق الأطراف كافة، ويضع مصر على مسار أكثر وضوحًا نحو تصدير العقار كأحد أدوات جذب العملة الأجنبية. وفي ظل هذه التحولات، يبدو أن سوق الوساطة العقارية يدخل مرحلة جديدة عنوانها التنظيم… وغايتها الاستدامة.