في حوار صريح اتسم بالوضوح والعمق، قدّم المهندس أيمن عامر، المدير العام لمجموعة سوديك، قراءة شاملة لمسار الشركة خلال واحدة من أكثر الفترات تقلبًا في السوق العقاري. حوار كشف كيف نجحت سوديك في تحويل الانضباط المالي والتشغيلي إلى نتائج غير مسبوقة، وكيف تُدار قرارات المبيعات، والتسليم، والتوسع، برؤية طويلة الأجل تضع الاستدامة قبل الاندفاع.
تستعرض إنفستجيت أبرز ملامح هذا المسار، في بروفايل يعكس نموذج سوديك المؤسسي في إدارة النمو
سوديك: نمو مدروس لا يعرف القفزات العشوائية
على مدار أكثر من ثلاثين عامًا، بنت سوديك نموذجها على قاعدة واضحة: النمو الحقيقي لا يُقاس بسرعة التوسع، بل بقدرة الشركة على الوفاء بما تبيعه، والحفاظ على جودة ما تسلّمه. وخلال العام الأخير، تجسدت هذه الفلسفة في أداء يُعد الأقوى في تاريخ الشركة، مؤكدًا أن ما تحققه سوديك ليس استثناءً، بل نتيجة مسار متراكم ومنضبط.
نتائج مالية غير مسبوقة تعكس صلابة النموذج
سجلت سوديك صافي أرباح بلغ نحو 4.5 مليار جنيه، بنمو سنوي 77%، فيما ارتفعت الإيرادات إلى 21.26 مليار جنيه بزيادة تجاوزت 118%. أرقام هي الأعلى منذ تأسيس الشركة، وتعكس قدرة واضحة على تحويل النشاط التشغيلي إلى ربحية فعلية، دون التضحية بالتوازن المالي أو تحميل الهيكل التمويلي أعباء غير محسوبة.
التسليمات أولًا: حيث تُختبر مصداقية المطور
أنهت الشركة العام بتسليم 2083 وحدة، وهو أعلى رقم تسليم سنوي في تاريخها، ويمثل قرابة ضعف تسليمات العام السابق. بالنسبة لسوديك، لا تُعد التسليمات مؤشرًا تشغيليًا فحسب، بل لحظة الحقيقة مع العميل. لذلك، تُدار المبيعات دائمًا بما يتناسب مع الطاقة التنفيذية، لضمان الالتزام بالجداول الزمنية وجودة المنتج النهائي.
سياسة مبيعات متحفظة في سوق يميل للمبالغة
في وقت اتجه فيه عدد من المطورين إلى فترات سداد طويلة، تمسكت سوديك بنهج أكثر تحفظًا، مع متوسط فترات تقسيط يبلغ 8 سنوات في غالبية المشروعات، واستثناءات محدودة تصل إلى 9 أو 10 سنوات. هذا الانضباط يعكس إدراكًا عميقًا للمخاطر، وحرصًا على ألا تتحول المبيعات السريعة إلى عبء مستقبلي على التنفيذ أو الجودة.
محفظة أراضٍ تُبنى بالقيمة لا بالمساحة
خلال عام واحد، أضافت سوديك نحو 1500 فدان إلى محفظة أراضيها، وهو أكبر توسع سنوي في تاريخها، لترتفع المحفظة الإجمالية إلى قرابة 2200 فدان خلال السنوات الأخيرة. لكن الأهم من الرقم هو فلسفة الاختيار، حيث تركز الشركة على المواقع ذات القيمة الاستراتيجية التي تعزز مكانة العلامة التجارية، لا مجرد زيادة المساحات.
سيولة قوية وإدارة مخاطر واعية
تحافظ سوديك على مستويات مديونية منخفضة نسبيًا، مع نسبة رفع مالي تقارب 0.6، ما يمنحها مرونة كبيرة في اللجوء إلى الاقتراض عند الحاجة فقط. ويُعد المركز النقدي القوي أحد أهم عناصر التحوط، حيث يضمن استمرارية الإنشاءات رغم تقلبات أسعار المواد أو سعر الصرف، ويحافظ على الثقة مع المقاولين والعملاء.
تسعير بعين على المستقبل لا على اللحظة
تعتمد الشركة في تسعيرها على متوسطات سعر صرف ممتدة لعدة سنوات، بدلًا من الاستجابة السريعة لتقلبات قصيرة الأجل. وفي حال غياب وضوح الرؤية، لا تتردد الإدارة في تعليق المبيعات مؤقتًا لإعادة التقييم، في نهج يقدّم الاستدامة على تعظيم الإيرادات السريعة.
الضيافة: تنويع محسوب لا خروج عن المسار
لم يكن دخول سوديك إلى قطاع الضيافة خطوة شكلية، بل امتدادًا طبيعيًا لتطوير مجتمعات متكاملة. وتضم محفظة الشركة حاليًا 170 غرفة فندقية فاخرة، يتم تشغيلها على مراحل مدروسة في الساحل الشمالي وشرق وغرب القاهرة.
في سيزر، بدأت سوديك بتجربة بوتيك أوتيل يضم 14 غرفة، قبل التوسع التدريجي للوصول إلى نحو 40 غرفة، كنموذج يخدم المشروع ذاته ويعزز تجربة الإقامة داخله. وعلى مستوى الفنادق الراقية، تعمل الشركة على تطوير فندق يضم 170 غرفة، يشمل الفندق جزئين، مع افتتاح 60 غرفة منه خلال العام الجاري، واستكمال باقي الغرف خلال العام المقبل.
ويمتد التوسع ليشمل شرق القاهرة، حيث تستعد سوديك لافتتاح فندق “نوبو” مطلع العام المقبل، في إطار شراكات مع علامات عالمية تدخل السوق المصري لأول مرة. وسيكون مجموع ما يتم افتتاحه خلال العام 100 غرفة منهم 60 غرفة في غرب القاهرة و40 غرفة في الساحل الشمالي. وتشير الإدارة إلى أن تكلفة الغرفة الفندقية الواحدة تتراوح بين 300 ألف و750 ألف دولار بحسب العلامة، ما يعكس حجم الاستثمار وجودة المنتج المستهدف. وتهدف الشركة إلى رفع مساهمة قطاع الضيافة إلى نحو 15% من أعمالها خلال خمس سنوات، مع الحفاظ على النشاط السكني كركيزة أساسية.
الابتكار: كل مشروع فكرة جديدة
تعتمد سوديك على تطوير مستمر للمنتج، بحيث يحمل كل مشروع فكرة مختلفة، سواء من حيث التصميم أو نمط الحياة أو الاستدامة. ويبرز ذلك في مشروعات تركز على جودة الحياة، بدعم من مستشارين دوليين وفرق ابتكار داخلية تتعاون مع مؤسسات أكاديمية.
ثقة العملاء… رأس مال غير منظور
تعكس نسبة العملاء المتكررين، التي تبلغ نحو 44%، مستوى الثقة في العلامة التجارية، حيث يُنظر إلى مشروعات سوديك كاستثمار آمن، سواء للاستخدام السكني أو لتحقيق عوائد مستقرة مقارنة بالسوق.
رؤية مستقبلية بثبات لا اندفاع
تتوقع الإدارة أن تشهد الأعوام 2026 و2027 أداءً أقوى، مدعومًا بخطة خمسية متجددة تُراجع سنويًا وفق تطورات السوق. ويظل المبدأ الحاكم هو الحفاظ على التوازن بين المبيعات والتنفيذ والسيولة، دون المساس بالجودة أو المصداقية.
باختصار.. يعكس مسار سوديك نموذج مطور عقاري اختار النمو المتزن بدلًا من التوسع السريع. ومع قاعدة مالية قوية، ومحفظة أراضٍ منتقاة، وتنويع محسوب للأنشطة، تواصل الشركة ترسيخ مكانتها كأحد أكثر المطورين العقاريين انضباطًا واستدامة في السوق المصري.