لم يعد “المول” كما نعرفه مجرد مساحة لعرض السلع، بل أصبح انعكاسًا مباشرًا لتحولات أعمق في الاقتصاد وأنماط الحياة الحضرية. فمع التسارع الكبير في التجارة الإلكترونية وتبدل أولويات المستهلكين، تراجع دور المراكز التجارية كوجهات للشراء فقط، لصالح أدوار أكثر تعقيدًا وتكاملاً. اليوم، تتحول هذه المساحات إلى منصات متعددة الوظائف، تدمج بين التسوق والترفيه والعمل والخدمات، وتعيد تعريف تجربة المستخدم بالكامل.
اليوم، يُقاس نجاح أي مول بقدرته على خلق تجربة تلبي احتياجات الزائر اليومية وتمنحه سببًا للبقاء والتفاعل، لا بمجرد عدد المتاجر. ومع توسع المدن الجديدة في مصر، يبرز هذا التحول كعامل حاسم في إعادة تشكيل الخريطة العمرانية، حيث تتحول المراكز التجارية إلى نقاط جذب حيوية ومحاور للحياة، تدعم الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، وتواكب تطلعات جيل يبحث عن التجربة بقدر ما يبحث عن المنتج
الأرقام تعكس حجم التحول
قبل عقدين فقط، كان الذهاب إلى المول يعني شيئًا واحدًا تقريبًا: التسوق. لكن اليوم، يبدو المشهد مختلفًا تمامًا. ففي العديد من المراكز التجارية الحديثة، يقضي الزوار ساعات طويلة بين المطاعم ودور السينما ومناطق الألعاب، بينما أصبح التسوق جزءًا واحدًا فقط من تجربة أكبر.
هذا التحول لم يكن عشوائيًا، بل جاء نتيجة تغيرات عميقة في قطاع التجزئة العالمي. فمع توسع التجارة الإلكترونية، التي تمثل اليوم نحو 14% من إجمالي تجارة التجزئة عالميًا وفق بيانات Statista، أصبح على المراكز التجارية أن تقدم شيئًا لا يمكن شراؤه عبر الإنترنت: التجربة الاجتماعية والترفيهية. لهذا السبب، لم تعد المولات الحديثة تُصمم حول المتاجر فقط، بل حول أنشطة متنوعة تشمل المطاعم والترفيه والفعاليات الثقافية ومساحات العمل.
تعكس الأرقام هذا التحول بوضوح؛ فوفقًا لتقارير شركة الاستشارات العقارية العالمية CBRE، أصبحت المراكز التجارية الحديثة تخصص ما بين 20% و30% من مساحاتها للمطاعم والترفيه، كما تشير الدراسات إلى أن المولات التي تضم عناصر ترفيهية تحقق زيادة في حركة الزوار تصل إلى 20% مقارنة بالمولات التقليدية.
أما JLL شركة الاستشارات والاستثمارات العقارية الرائدة عالميًا، فتشير إلى أن متوسط مدة بقاء الزائر في المولات التي تقدم أنشطة ترفيهية يتراوح بين 90 و120 دقيقة، وهو أعلى بنحو 30% مقارنة بالمراكز التجارية التي تعتمد على متاجر التجزئة فقط.
هذه المعادلة الاقتصادية بسيطة: كلما طالت مدة بقاء الزائر، زاد الإنفاق داخل المول.
السوق المصري: توسع سريع في المساحات التجارية
في مصر، يشهد قطاع المراكز التجارية نموًا ملحوظًا بالتوازي مع التوسع العمراني في المدن الجديدة.
حيث تشير تقارير JLL إلى أن إجمالي المساحات التجارية المنظمة في القاهرة الكبرى بلغ نحو 3.22 مليون متر مربع من المساحات القابلة للتأجير (GLA) خلال الربع الأول من عام 2025. كما أضاف السوق نحو 39 ألف متر مربع من المساحات الجديدة خلال النصف الأول من العام، مع توقعات بدخول نحو 86.7 ألف متر مربع إضافية خلال بقية العام، يتركز الجزء الأكبر منها في شرق القاهرة، خاصة القاهرة الجديدة والعاصمة الجديدة، إلى جانب امتدادات في غرب القاهرة مثل الشيخ زايد والسادس من أكتوبر.
ولا تقتصر دلالة هذه الأرقام على حجم التوسع فقط، بل تعكس تحولاً نوعياً في استراتيجية التطوير، حيث لم يعد التركيز منصبًا على زيادة المساحات بقدر ما أصبح موجهاً نحو تحسين جودة التجربة وتعظيم القيمة التشغيلية.
ويتضح ذلك في تحسن مؤشرات الأداء، مع انخفاض معدلات الشواغر في المولات الكبرى إلى نحو 7.2%، بالتزامن مع ارتفاع الإيجارات السنوية بنسبة تتراوح بين 7% و8%، وهو ما يعكس استمرار الطلب القوي على المساحات التجارية عالية الجودة، وقدرة المشروعات المتميزة على الحفاظ على جاذبيتها في سوق يشهد منافسة متزايدة.
دروس من التجارب العالمية
التحول في المراكز التجارية ليس ظاهرة محلية، بل اتجاه عالمي واضح. فعلى سبيل المثال، يستقبل Mall of America في الولايات المتحدة نحو 40 مليون زائر سنويًا، ويضم أكثر من 500 متجر إضافة إلى مدينة ملاهٍ داخلية وفنادق ومساحات فعاليات.
أما Dubai Mall في الإمارات، فيُعد أحد أكبر المراكز التجارية في العالم، حيث يضم أكثر من 1200 متجر ويستقطب ما يزيد على 100 مليون زائر سنويًا، بفضل مزيج من التجزئة والترفيه والمعالم السياحية.
وفي أوروبا، يمثل Westfield London نموذجًا آخر للمراكز التجارية المتكاملة، حيث يضم أكثر من 450 متجرًا ويستقبل نحو 30 مليون زائر سنويًا، ويشكل جزءًا من مشروع حضري يجمع بين السكن والمكاتب والفنادق.
تعكس هذه النماذج كيف أصبحت المراكز التجارية وجهات حضرية متعددة الوظائف، تتجاوز مجرد البيع بالتجزئة، لتصبح مساحات حية تجمع بين التسوق، الترفيه، والعمل، وتستجيب بشكل مباشر لتغيرات سلوك المستهلكين ومتطلبات المدن الحديثة.
لماذا يضع المطورون المولات في قلب المشروعات الجديدة؟
بالنسبة للمطورين العقاريين، لا يمثل المول مصدرًا للإيجارات فقط، بل أداة لرفع قيمة المشروع بالكامل.
فوفق تقديرات شركات الاستشارات العقارية مثل PwC وJLL، يمكن للمراكز التجارية القوية أن ترفع قيمة العقارات السكنية المحيطة بنسبة تتراوح بين 10% و20%، ولهذا السبب أصبحت نسبة كبيرة من المولات الجديدة جزءًا من مشروعات متعددة الاستخدامات (Mixed-Use Developments) التي تجمع بين السكن والمكاتب والفنادق والترفيه .في هذا النموذج، يتحول المول إلى القلب الاقتصادي والاجتماعي للمشروع بالكامل.
مستقبل المولات في مصر
مع استمرار التوسع العمراني في المدن الجديدة، من المتوقع أن يشهد قطاع المراكز التجارية في مصر عدة اتجاهات رئيسية خلال السنوات المقبلة.
أولًا، سيستمر نمو المولات في المناطق التي تشهد زيادة سكانية سريعة مثل القاهرة الجديدة والعاصمة الجديدة.
ثانيًا، سيزداد الاعتماد على الترفيه والمطاعم كعناصر جذب رئيسية، مع تخصيص مساحات أكبر لهذه الأنشطة داخل المراكز التجارية.
ثالثًا، سيشهد السوق انتشارًا أكبر لما يعرف بـCommunity Malls، وهي مراكز تجارية أصغر تخدم المجتمعات السكنية القريبة.
هذا التطور يعكس تحول المول من مجرد مكان لشراء المنتجات، إلى منصة حضرية متكاملة تستجيب لاحتياجات السكان اليومية، وتوفر تجربة متنوعة تجمع بين التسوق والترفيه والخدمات في آن واحد.
تحديات التوسع واستدامة النمو
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، تطرح وتيرة التوسع المتسارعة تساؤلات مهمة حول قدرة السوق على استيعاب المزيد من المعروض خلال السنوات المقبلة. فمع دخول مساحات جديدة بوتيرة متزايدة، يبرز خطر حدوث حالة من التشبع، خاصة في حال تكرار نفس النماذج التجارية دون تطوير حقيقي في التجربة أو تنوع في الأنشطة. وفي هذا السياق، قد لا تتمكن جميع المشروعات من الحفاظ على نفس مستويات الإشغال أو النمو في الإيجارات، ما يخلق فجوة متزايدة بين المولات القادرة على الابتكار وتقديم قيمة مضافة، وتلك التي تعتمد على النموذج التقليدي.
كما أن استمرار المنافسة مع التجارة الإلكترونية، إلى جانب التغيرات في القوة الشرائية للمستهلكين، يفرض على المطورين تبني استراتيجيات أكثر مرونة، تركز على إدارة الأصول بكفاءة، وتقديم تجارب متجددة، بدلًا من الاعتماد فقط على التوسع الكمي. وبالتالي، قد يشهد السوق خلال الفترة المقبلة نوعًا من “إعادة الفرز”، حيث تترسخ مكانة المشروعات الأعلى جودة، في مقابل تراجع أداء المشروعات الأقل قدرة على التكيف مع التحولات السريعة في سلوك المستهلك.
في النهاية، لم تعد المراكز التجارية مجرد انعكاس لحركة السوق، بل أصبحت أداة فاعلة في تشكيلها. فبين ضغوط التجارة الإلكترونية، وتسارع التوسع العمراني، وتغير أنماط الاستهلاك، تقف المولات اليوم أمام لحظة فارقة تعيد فيها تعريف دورها وحدودها. لم يعد النجاح مرتبطًا بحجم المشروع أو عدد علاماته التجارية، بل بقدرته على أن يكون مساحة حية تتجدد باستمرار، وتواكب إيقاع الحياة المتغير.
وفي هذا السياق، يبدو مستقبل المراكز التجارية في مصر مرهونًا بقدرتها على التحول إلى منصات متكاملة للحياة، لا مجرد وجهات للشراء. فالمشروعات التي ستنجح هي تلك التي تفهم أن “التجربة” أصبحت المنتج الحقيقي، وأن القيمة لم تعد تُقاس بما يُباع داخل المتجر، بل بما يعيشه الزائر داخل المكان. وبينما تتجه المدن الجديدة إلى ترسيخ هذا النموذج، قد نشهد خلال السنوات المقبلة مولات أقل عددًا… لكنها أكثر تأثيرًا، وأكثر ارتباطًا بتفاصيل الحياة اليومية لسكانها.