الاقتصاد المصري تحت ضغط تصاعد الصراع الإيراني-الإسرائيلي

الاقتصاد المصري تحت ضغط تصاعد الصراع الإيراني-الإسرائيلي

شهدت المنطقة في نهاية فبراير 2026 تصعيدًا عسكريًا ملحوظًا، بعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات منسقة على إيران في 28 فبراير، رغم استمرار المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران آنذاك. وردت إيران بهجمات مضادة استهدفت إسرائيل وقواعد أمريكية في دول مجلس التعاون الخليجي، ما أثار مخاوف من توسع نطاق الصراع إقليميًا، وفي سياق متصل، عقدت جامعة الدول العربية اجتماعًا أكدت خلاله دعمها لحق دول الخليج في الدفاع عن النفس، مع الدعوة إلى وقف إطلاق النار والتدخل الدولي لاحتواء الأزمة.

في الأيام التالية، شهدت الأسواق تحركات حادة، حيث أدى إغلاق مضيق هرمز مؤقتًا وتصاعد التهديدات باستهداف السفن في البحر الأحمر إلى اضطرابات في حركة التجارة الدولية. كما تراجع تدفق الغاز الإسرائيلي إلى مصر اعتبارًا من 4 مارس. وتزامن ذلك مع ارتفاع سعر صرف الدولار في مصر إلى أكثر من 50 جنيهًا في 4 مارس، قبل أن يصل إلى 52,7 جنيهًا في 26 مارس، بينما شهدت أسعار النفط تقلبات بين نحو 93 دولارًا للبرميل في 6 مارس، وارتفاع إلى أكثر من 100 دولار في 9 مارس، قبل أن يصل إلى 108 دولار في 26 مارس 2026.

تفاعلات الأسواق العالمية

انعكست هذه التطورات بسرعة على الأسواق العالمية، حيث أعادت تسعير المخاطر المرتبطة بالطاقة والتجارة الدولية. أدى إغلاق مضيق هرمز وتراجع إنتاج النفط والغاز من دول الخليج إلى ارتفاع أسعار الطاقة بين 90 و100 دولار للبرميل، ما انعكس على تكاليف الوقود والنقل ومدخلات الإنتاج. وفي الوقت نفسه، اتجه المستثمرون نحو الأصول الآمنة، وعلى رأسها الدولار الأمريكي، ما أدى إلى تراجع عملات الأسواق الناشئة وزيادة تكلفة الواردات وخدمة الديون الخارجية.

كما رفعت التهديدات الأمنية في البحر الأحمر تكاليف الشحن والتأمين، الأمر الذي أدى إلى زيادة تكاليف سلاسل الإمداد وتأخير عمليات النقل. وفي ظل حالة عدم اليقين، شهدت الأسواق خروجًا لرؤوس الأموال من بعض الأسواق الناشئة، ما تسبب في تراجع السيولة وصعوبة الوصول إلى التمويل الخارجي.

تأثير الحرب الإيرانية على الاقتصاد المصري

تأثرت مصر سريعًا بهذه الضغوط، حيث أدى ارتفاع سعر صرف الدولار إلى أكثر من 52 جنيهًا إلى زيادة تكلفة الواردات المقومة بالعملة الأجنبية، لا سيما الغذاء والوقود ومدخلات الإنتاج، ورفع ذلك من تكاليف الإنتاج وأسعار السلع المحلية، حتى في حال عدم حدوث زيادات إضافية في الأسعار العالمية.

وسجل معدل التضخم السنوي 13.4% خلال فبراير 2026 مقارنة بـ 11.9% في يناير، مع توقعات بمزيد من الارتفاع نتيجة تداخل تأثيرات سعر الصرف مع اضطرابات سلاسل الإمداد.

تطورات ميزان المدفوعات

تأثر ميزان المدفوعات أيضًا بهذه التطورات، حيث أدى ارتفاع سعر الصرف إلى زيادة تكلفة الواردات، ما وسع من عجز الميزان التجاري وزاد من الطلب على العملة الأجنبية. ورغم أن انخفاض قيمة الجنيه قد يدعم القدرة التنافسية للصادرات نظريًا، فإن ارتفاع تكاليف الإنتاج يحد من هذا التأثير.

كما أثرت التوترات الأمنية على إيرادات قناة السويس، نتيجة تحويل مسارات السفن، ما زاد الحاجة إلى النقد الأجنبي، وتراجع تدفق الاستثمارات الأجنبية وخروج رؤوس الأموال أدى إلى زيادة حساسية الاقتصاد للتقلبات المالية، بينما قد تتأثر تحويلات العاملين بالخارج في حال تباطؤ النشاط الاقتصادي في دول الخليج.

قطاع الطاقة

شهد قطاع الطاقة ضغوطًا متزايدة بسبب تراجع إمدادات الغاز من إسرائيل وانخفاض تدفقات النفط والغاز من دول الخليج، ما دفع الحكومة في 10 مارس 2026 إلى رفع أسعار الوقود بمقدار 3 جنيهات للتر، لتصل أسعار بنزين 95 إلى 24 جنيهًا، وبنزين 92 إلى 22.25 جنيهًا، وبنزين 80 إلى 20.75 جنيهًا، فيما بلغ سعر السولار 20.5 جنيهًا للتر، وتراوح سعر الغاز الطبيعي للسيارات بين 10 و13 جنيهًا للمتر المكعب.

وتشير هذه التطورات إلى احتمال حدوث ضغوط على استقرار إمدادات الكهرباء، مع إمكانية تطبيق إجراءات لإدارة الأحمال، ما قد يؤثر على الأنشطة الإنتاجية ويزيد من تكاليف التشغيل.

التأثير على القطاعات الإنتاجية

تعاني القطاعات الإنتاجية من ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج المستوردة، مع تعرض قطاع الصناعة لأكبر المخاطر، على سبيل المثال استوردت مصر ألومنيوم بقيمة 454 مليون دولار من دول الخليج خلال عام 2024، ما يعكس حجم الاعتماد على الخارج.

كما يواجه قطاع السيارات تراجعًا في الطلب نتيجة ارتفاع الأسعار، فيما قد تتأثر السياحة مستقبلًا في حال استمرار التوترات، خصوصًا من الأسواق الإقليمية، ما ينعكس على إيرادات النقد الأجنبي.

التوقعات المستقبلية

تظل مسارات التطورات المستقبلية مفتوحة على عدة سيناريوهات، حسب درجة التصعيد ومدة الصراع، إذا احتُوت التوترات، قد تتراوح أسعار النفط بين 85 و120 دولار للبرميل على المدى القصير، أما إذا تصاعد الصراع بشكل أوسع، فقد تتجاوز الأسعار 120 دولار، مع زيادة احتمالات تباطؤ اقتصادي عالمي، وفي حال التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز، قد تعود أسعار النفط تدريجيًا إلى نحو 65 دولارًا للبرميل على المدى المتوسط.

استجابة الحكومة

بدأت الحكومة في اتخاذ إجراءات للتعامل مع التداعيات، من بينها رفع أسعار الوقود ضمن خطة إعادة هيكلة الدعم، وإدارة الإنفاق العام، مع دراسة بعض الإجراءات المتعلقة بالواردات. كما يجري العمل على تعزيز برامج الحماية الاجتماعية للتخفيف من آثار التضخم على الفئات الأكثر تضررًا.

الخاتمة

تعكس التطورات الأخيرة مدى ارتباط الاقتصاد المصري بالمتغيرات الإقليمية والعالمية، خاصة في مجالات الطاقة والتجارة وسعر الصرف. وفي ظل حالة عدم اليقين المستمرة، يبقى مسار الصراع ومدته العامل الأكثر تأثيرًا على حجم الضغوط الاقتصادية وقدرة الاقتصاد على التكيف معها.

تسجيل الدخول

Welcome! Login in to your account

تذكرنيفقدت كلمة المرور؟

فقدت كلمة السر