لقد كان عام 2020 مليئًا بالتحديات الصعبة على كافة القطاعات الاقتصادية محليًا وعالميًا، ومن بينها بالطبع القطاع العقاري المصري. حيث شهد الطلب على شراء العقارات في النصف الأول من عام 2020 تراجعًا ملحوظًا، نتيجة حالة عدم الاستقرار ومخاوف العملاء في ظل التهديدات الاقتصادية جراء الإجراءات الاستباقية التي اتخذتها الدولة لمواجهة تداعيات تفشي جائحة «كوفيد-19»، ولكن سرعان ما تغير المشهد في الـ 6 الأشهر الثانية من عام 2020 وخاصةً في الربع الرابع منه، حيث استطاع السوق العقاري المصري استعادة نشاطه مجددًا.

أعلنت مؤسسة «فيتش سوليوشنز»، في سبتمبر الماضي، أن قطاع العقارات المصري يشهد طلبًا متزايدًا وقويًا في عام 2020 مدفوعًا بالمشروعات الجديدة والمكاتب الإدارية، مضيفةً أن إنشاء 20 مدينة جديدة بالإضافة إلى تطوير 23 مدينة أخرى قائمة سوف يرفع الطلب على سوق العقارات في مصر على الرغم من تأثير جائحة «كوفيد-19».

لقد شهد الطلب العقارى انتعاشًا وارتفاعًا ملحوظًا خلال النصف الثاني من عام 2020، وذلك عقب التباطؤ الذي شهده خلال الـ 6 أشهر الأولى من العام نفسه عقب تفشى وباء «كوفيد-19» الذي اجتاح العالم لأول مرة في مارس الماضي، ولكن تغيرت النظرة المستقبلية للسوق العقاري بشكل إيجابي مع عودة الاستثمارات إلى النمو مرة أخرى في نهاية العام الماضي.

وعلى الجانب الآخر، كشف المؤشر العقاري لمحرك البحث «عقار ماب» عن زيادة نسبة الطلب على القطاع العقاري بنسبة 20 % خلال يونيو 2020، والتي تعد النسبة الأكبر منذ عام 2013، وهو ما يتزامن مع عودة الطلب على العقارات عقب فترة ترقب منذ بداية جائحة «كوفيد-19».

إن تفشي هذه الجائحة أدى إلى أهمية ابتكار وسائل جديدة في ممارسة الأعمال بالقطاع العقاري، حيث أنه ساهم في تسريع وتيرة الاعتماد على الوسائل التكنولوجية لرقمنة القطاع لمواجهة التداعيات السلبية الناتجة عن تفشي هذا الوباء.

ويتضح ذلك من خلال معرض «Vestate Expo»، وهو أول معرض افتراضي شهدته مصر في أكتوبر الماضي، وشارك به نحو 50 مطورًا عقاريًا بهدف تقديم منتجاتهم للعملاء من خلال منصة إلكترونية.

وعلاوةً على ذلك، أكد مجلس الوزراء، في يونيو 2020، أن مصر قامت برقمنة حوالي 40% من التسجيل العقاري المحلي، وذلك كمحاولة لتحقيق التحول الرقمي والشمول المالي للدولة.

وفي الفترة السابقة، كانت أغلب شركات التطوير العقاري، قبل تفشي جائحة «كوفيد-19»، تطبق الطرق التقليدية لممارسة الأعمال التجارية الخاصة بها، دون الالتفات إلى أهمية تطبيق التكنولوجيا الحديثة، حيث أكد المسح الذي أجراه فريق البحث والتحليل بـ «إنفستجيت»، في يوليو الماضي، أن حوالي 96%، من الشركات التي شملها المسح، كانت تعتمد بشكل رئيسي على الوسائل التقليدية بدلاً من التقنيات الحديثة، ولكن عقب تفشي وباء «كوفيد-19» أدى ذلك إلى تسريع وتيرة رقمنة الأعمال بشركات التطوير العقاري.

ومن ناحية أخرى، أشار هذا المسح إلى أن 93% من المشاركين قاموا باعتماد التقنيات الرقمية الحديثة في استراتيجيات التسويق الخاصة بهم، بالإضافة إلى أن 44% منهم قاموا بتطبيق أدوات المبيعات الافتراضية.

وفي هذا الشأن، قال الدكتور نور الدين رضا، أستاذ استشاري التسويق الرقمي متخصص في مجال التطوير العقاري، خلال أول «ماستركلاس» نظمته «إنفستجيت» في مجال العقارات الرقمية في أكتوبر الماضي، أن حوالي 65% من عملاء شركات التطوير العقاري يعتمدون بشكل كبير على البحث الإلكتروني قبل اتخاذ قرار الشراء، وفقًا للرابطة الدولية لأصحاب العقارات.

ومن جانبهم، أكد العديد من المطورين تعافي القطاع العقاري خلال النصف الثاني من 2020 على المستويين التشغيلي والمالي، خاصة عقب عقد معرض «سيتي سكيب مصر»، الذي ساهم في إنهاء عددًا كبيرًا من الصفقات، ليس ذلك فحسب، بل أن هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى ارتفاع الطلب، ويأتي على رأسها، تطبيق أحدث الوسائل التكنولوجية في صناعة العقارات، ويتضح ذلك فيما يلي:

 


 

قال أحمد العدوي، الرئيس التنفيذي لشركة «إنرشيا» للتنمية العقارية، إن السوق العقاري شهد حالة من عدم الاستقرار منذ بداية ظهور أزمة «كوفيد-19»، ولكن تغير هذا الوضع خلال النصف الثاني من عام 2020 من خلال مبيعات حقيقية.

وأضاف أن القطاع العقاري هو الملاذ الآمن للاستثمار، خاصةً عقب تراجع أسعار فائدة البنوك بشكل كبير مما أدى إلى ضخ مزيدًا من الاستثمارات في القطاع العقاري، إلى جانب ثقة العملاء في ذلك القطاع، علاوةً على التعديلات التي أجرتها الدولة في اللوائح والقوانين الخاصة بتملك العقارات وتبسيط إجراءات التسجيل بالشهر العقاري، وخفض التكلفة، مما شجع المستثمرين على عملية الشراء، غير أن كل ذلك سوف يدعم السوق العقاري في عام 2021.

وعلى الجانب الآخر، أكد العدوي أن المطورين العقاريين استفادوا من أزمة «كوفيد-19»، في تطبيق الوسائل التكنولوجية بهدف تسويق منتجاتهم على المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي الرسمية لهم، كما أن أهم ما يميز هذه الوسائل هو إتاحة الفرصة للعميل للتجول الافتراضي داخل المشروعات، مما ساهم أيضًا في استمرار سير حركة المبيعات.

والأهم من ذلك، أوضح العدوي أن “التسويق الإلكتروني منح المطورين فرصة تحليل البيانات والمعلومات المتعلقة بالعملاء، بهدف التعرف على توجهات العرض والطلب من حيث المساحات المطلوبة والقدرات الشرائية والأنشطة المعنية”.

 


 

 

وفي السياق نفسه، قال المهندس وليد مختار، الرئيس التنفيذي لشركة «إيوان للتطوير العقارى»، إن ارتفاع الطلب بالقطاع في النصف الثاني من عام 2020 يرجع إلى تراكم الطلب على الوحدات العقارية أثناء فترة الإغلاق جراء أزمة «كوفيد-19»، وتبدل احتياجات العملاء نتيجة التغير في أسلوب الحياة والذي تمثل في مساحات الوحدات السكنية وتصاميم الوحدات المكتبية والإدارية، التي شهدت ارتفاعًا أيضًا في الطلب من قبل البنوك والمؤسسات المالية. كما أن انخفاض أسعار الفائدة دفع الطلب الاستثماري على العقارات وحفز المطورين لزيادة شروط الائتمان للمشترين مما قد يرفع الطلب أكثر.

ولفت إلى أنه “مع الفتح التدريجي وانتظام وتيرة العمل لإنهاء المشروعات لتسليمها في المواعيد المحددة، شهدنا تعافي على المستويين المالي والتشغيلي. كما ساهم إعادة انعقاد المعارض العقارية مثل «سيتي سكيب مصر» في رفع الطلب نتيجة إبرام عددًا كبيرًا من الصفقات المحفزة بالعروض بين المطور والمشتري”.

وأضاف مختار أن تطبيق الحلول التكنولوجية في أعمال القطاع العقاري مثل التسويق الإلكتروني والجولات الافتراضية والمؤتمرات والمعارض العقارية الإلكترونية وتقنية الـ «بلوك تشين»، كل ذلك “مكن المطورين من التعرف على توجهات العرض والطلب وتوفير بيانات ومعلومات عن السوق العقارية بشكل عام ومنتجاتهم بشكل خاص، بالإضافة إلى ترويج وإتاحة المعروض من منتجاتهم العقارية بسهولة عن طريق التفاعل مع العملاء وعقد الصفقات إلكترونيًا أثناء فترة الحظر مما ساهم في تعافي الطلب بشكل كبير في النصف الثاني من عام 2020”.


 

ومن جانبه، أوضح المهندس أحمد عطا الله، نائب الرئيس الأول لتطوير «باديا»، أنه “مع الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد نتيجة أزمة فيروس «كوفيد-19»، لقد زادت حاجة العملاء إلى الاستثمار في القطاع العقاري الذي يعد من الأصول الأساسية لكونه الوعاء الآمن للاستثمار”.

وأكد أن المبيعات ارتفعت في النصف الثاني من 2020، مما أدى إلى مساهمة القطاع العقاري بشكل كبير في تنمية العجلة الاقتصادية، إلى جانب عودة المعارض العقارية مثل «سيتي سكيب»، الذي حقق أهداف كلا من المطورين العقاريين والعملاء على حد سواء، علاوةً على أن قوة المنافسة بين المطورين أدت إلى تنوع المشروعات بمختلف المناطق وأنظمة السداد، كما أن قرار البنك المركزي بخفض سعر الفائدة في النصف الثاني من عام 2020 ساعد على ارتفاع القدرة الشرائية للعملاء.

وفيما يتعلق بدور الوسائل التكنولوجية في ارتفاع الطلب خلال النصف الثاني من عام 2020، قال عطا لله إنها “ساهمت بشكل إيجابي في جميع القطاعات الاقتصادية وسهلت طرق البيع والشراء، كما بادر العديد من المطورين بتدشين منصات إلكترونية لعرض منتجاتهم من خلال الجولات الافتراضية للإطلاع على مميزات المشروعات والوحدات”.

 


 

صرح الدكتور محمد مكاوي، الرئيس التنفيذي لشركة «سيتي إيدج»، بأن ارتفاع الطلب الذي شهده القطاع العقاري خلال النصف الثاني من 2020، يرجع سببه إلى أن الحكومة اتخذت عدة قرارات هامة لمواجهة تداعيات أزمة فيروس «كوفيد-19»على الاقتصاد المصري، مثل خفض سعر الفائدة على الإقراض والإيداع بالإضافة إلى تراجع الدولار مقابل الجنيه، موضحًا “أن مبادرات التمويل العقاري لها دورًا كبيرًا في ارتفاع الطلب، وذلك بسبب رؤية العملاء لقوة القطاع وأنه دائمًا ما يكون الجواد الرابح في كل الرهانات، كما أنه القطاع الوحيد الذى حقق نسبة نمو مرتفعة مقارنًة بالقطاعات الأخرى، وما زال يمثل قاطرة الاقتصاد المصري”.

وتابع أن استمرار الحكومة في تنفيذ مشروعاتها المختلفة، أثناء فترة الجائحة، كان بمثابة حافزًا قويًا للشركات للاستمرار في تنفيذ مشروعاتها وتسليمها في المواعيد المحددة، مما أدى إلى تأكيد رؤية العملاء للقطاع على أنه الوعاء الآمن لأموالهم وهو ما دفع بشكل كبير إلى زيادة الطلب على العقارات.

وأكد مكاوي أن جائحة «كوفيد-19» أدت إلى تسريع عملية التحول الرقمي والاعتماد عليها في عملية البيع، مما أدى إلى استمرار المبيعات بشكل قوى خلال الأزمة، كما أن اعتماد الشركات على الاجتماعات عبر الإنترنت، وذلك في إطار تطبيق الإجراءات الاحترازية، ساهم بشكل كبير في استمرار الأداء الجيد للشركات وساعد القطاع العقاري في تخطي تلك الأزمة.


 

وفي سياق متصل، أوضح المهندس عمرو سليمان، رئيس مجلس إدارة شركة «ماونتن فيو»، أن العوامل غير المباشرة التي أدت إلى ارتفاع الطلب تتمثل في استكمال الحكومة تنفيذ المشروعات المختلفة، أثناء الجائحة، حيث كان ذلك حافزًا قويًا للشركات العقارية للاستمرار في تنفيذ مشروعاتها، مما أدى إلى زيادة وعي العملاء بقوة السوق وقدرته على تخطى الأزمات، وبالتالي دفع حركة المبيعات بشكل ملحوظ.

أما العامل المباشر والأساسي هو عودة الحياة لطبيعتها في النصف الثاني من 2020 بشكل كبير، ومع رؤية العملاء لقدرة القطاع العقاري على تخطي الأزمات، كما أنه يعد الحصان الرابح والملاذ الآمن لضخ الاستثمار في السوق المصري دائمًا، كل ذلك بالطبع أدى إلى زيادة الطلب بالقطاع لرغبة المستثمرين في حفظ أموالهم في ظل هذه الجائحة.

وأكد سليمان أن “التكنولوجيا تعد من العوامل الهامة المساهمة في استمرار حركة المبيعات للشركات العقارية، فعلى الرغم من التأثير السلبي للجائحة على القطاع بشكل عام، لكنها أدت إلى تسريع عملية التحول الرقمي والاعتماد عليها خاصةً فيما يتعلق بعملية البيع، مما أدى إلى استمرار حركة المبيعات بشكل قوى خلال هذه الأزمة، كما أن التحول الرقمي ساعد الشركات في الاعتماد على الاجتماعات عبر الإنترنت، وذلك في إطار تطبيق الإجراءات الاحترازية، مما ساهم في استمرار الأداء الجيد للشركات، ومساعدة القطاع العقاري في تخطي تلك الأزمة بأقل الخسائر”.


 

وصرح شريف حليو، رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات «مرسيليا»، بأن السبب وراء ارتفاع الطلب في النصف الثاني من عام 2020 يرجع إلى “حالة الترقب التي أصابت المستثمرين وأصحاب الفوائض المالية في الاحتفاظ بمواردهم المالية، خوفًا من انتشار فيروس «كوفيد-19» وتضرر السوق العقاري ومن ثم تضرر استثماراتهم، مما أدى إلى خلق حالة من الطلب المحتقن غير المحقق “، مضيفًا أنه مع انكماش الموجة الأولى من هذه الجائحة، وإدراك المستثمرين لتبعيات الأمور وأن القطاع العقاري هو الملاذ الأكثر أمانًا للاستثمار في الوقت الحالي أكثر من غيره، كل ذلك يفسر ارتفاع الطلب على العقارات في النصف الثاني من 2020.

وساهم في ذلك أيضًا، وفقًا لحليو، تطبيق العديد من التيسرات والتسهيلات في أنظمة السداد ومساحات الوحدات التي قدمتها شركات التطوير العقاري خاصةً بعد الدعم الذي تلقوه من البنك المركزي المتمثل في تأجيل أقساط الأراضي وخلافه، بالإضافة إلى مبادرات البنك الخاصة بتيسيرات التمويل العقاري، كل ذلك أدى إلى زيادة الطلب على العقارات خلال النصف الثاني من عام 2020، غير أن أزمة «كوفيد-19» خلقت حالة ملحة للاستثمار في أماكن العمل أو شراء الوحدات الإدارية مما تسبب في ارتفاع الطلب أيضًا في السوق العقاري المصري.

وقال إن هذا الوباء أدى إلى تغيير نهج آليات التسويق للوحدات العقارية، لاسيما اعتماد أغلب الشركات على الوسائل التكنولوجية وتقنيات التسويق عن بعد، مشيرًا إلى أن “التسويق الإلكتروني والبيع عبر المنصات الإلكترونية هو الحصان الرابح خلال 2020، كما أن اختراق الوسائل التكنولوجية للقطاع العقاري خلال أزمة «كوفيد-19» كان محفزًا رئيسيًا لحركة السوق خلال تلك الفترة”.

وأكد حليو أن تنوع طرق التواصل الإلكتروني مع العملاء المستهدفين سواء عبر الحملات الموجهة أو المعارض العقارية الافتراضية، أتاح الفرصة للعملاء المستهدفين والمستثمرين للاستثمار الآمن في العقارات، بحيث يستطيع العميل الإطلاع افتراضيًا على الوحدة المختارة والدفع عبر مصادر متعددة من داخل منزله، مما أدى إلى زيادة الطلب على العقارات خلال النصف الثاني من 2020، إلى جانب تقديم العديد من العروض والتسهيلات من قبل الشركات العقارية لدعم الاقتصاد وتنشيط السوق العقاري المصري، الذي يمثل أحد أهم الأذرع المحركة للاقتصاد الوطني.

 


 

وختامًأ، عقب الركود والتراجع الملحوظ الذي شهده سوق العقارات المصري في النصف الأول من عام 2020، لكنه سرعان ما استعاد قوته وانتعاشه مرة أخرى، وذلك بفضل عدة عوامل على رأسها تطبيق وسائل التكنولوجيا الحديثة التي ساهمت بالطبع في ارتفاع الطلب الحقيقي على القطاع العقاري، وسط المزيد من التوقعات الإيجابية باستمرار ارتفاع الطلب خلال عام 2021.