تشهد المملكة العربية السعودية مرحلة جديدة من تطوير قطاع النقل بالسكك الحديدية والنقل الحضري في إطار رؤية السعودية 2030، حيث يُنظر إلى البنية التحتية باعتبارها رافعة اقتصادية استراتيجية. وفي قلب هذا التحول يأتي مشروع جسر الرياض–جدة البري، الذي يهدف إلى ربط العاصمة بساحل البحر الأحمر عبر ممر عالي السعة. وأكد الرئيس التنفيذي لشركة الخطوط الحديدية السعودية (سار)، بشار بن خالد المالك، أن المشروع سيتم تنفيذه على مراحل، على أن يكتمل قبل عام 2034. كما أوضح أنه تم استبعاد تحالف صيني كان مرتبطًا بالمشروع سابقًا لعدم استيفائه متطلبات المحتوى المحلي، في تأكيد على تركيز «سار» على التوطين والالتزام بالمعايير الوطنية، وفقًا لـ”إنفستجيت“.
إعادة توجيه حركة الشحن ومراعاة الجوانب المجتمعية
نفذت «سار» تعديلات تشغيلية للحد من الأثر الاجتماعي للتوسع في أنشطة السكك الحديدية، من بينها نقل عمليات قطارات الشحن بعيدًا عن مدينة الهفوف بهدف تحسين جودة حياة السكان. كما يعكس بُعد محطة الجوف عن مدينة سكاكا التصميم الأصلي للشبكة، التي أُنشئت في الأساس لخدمة قطاع التعدين قبل إضافة خدمات نقل الركاب لاحقًا.
التوسع في الطاقة الاستيعابية للشبكة الشمالية
ولمواكبة الطلب المتزايد على نقل الركاب، طرحت «سار» مناقصة لتصنيع 10 قطارات ركاب جديدة للشبكة الشمالية، تشمل التصميم والتصنيع والتوريد والصيانة، على أن تُقدم العروض بحلول 11 مايو 2026. ومن المتوقع أن تسهم القطارات الجديدة في مضاعفة الطاقة الاستيعابية للشبكة إلى نحو ثلاثة أضعاف، لتتجاوز 2.4 مليون مقعد سنويًا عبر شبكة تمتد لنحو 2,700 كيلومتر، تربط الرياض بالمجمعة والقصيم وحائل والجوف والقريات، وذلك استكمالًا لخطط التوسع الجارية على الخط الشرقي.
الربط الإقليمي عالي السرعة وتكامل المطارات
تسعى السعودية كذلك إلى تعزيز الربط الإقليمي عبر مشروعات القطارات عالية السرعة، من بينها خط الرياض–الدوحة، الذي يُعد أول مشروع قطار فائق السرعة يربط بين دولتين في المنطقة. ويغطي الخط مسافة 785 كيلومترًا بسرعات تصل إلى 300 كيلومتر في الساعة، ليربط مطار الملك سلمان الدولي في الرياض بمطار حمد الدولي في الدوحة، بما يعزز تكامل النقل الجوي والسككي ويدعم العلاقات الاقتصادية الإقليمية.
تنمية الكوادر البشرية وحجم التشغيل
تشمل مهام «سار» أيضًا إدارة عمليات نقل موسمية كبرى، أبرزها تشغيل قطار المشاعر خلال موسم الحج، والذي يُدار بالكامل بأيدٍ سعودية. ويُعد من أكبر أنظمة القطارات في العالم، بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 3 آلاف راكب في الرحلة الواحدة. كما أشار المالك إلى تنامي مشاركة المرأة في قطاع السكك الحديدية، خاصة في تشغيل قطار الحرمين السريع، مدعومة ببرامج تدريبية حققت معدلات مشاركة تفوق التوقعات.
إحياء مشروع مترو جدة يعزز توجه النقل الحضري
بالتوازي مع التوسع في مشروعات النقل الوطنية، أعادت الجهات المعنية إحياء مشروع مترو جدة، حيث تم طرح مناقصة استشارية للتصميم المبدئي للخط الأزرق بطول 35 كيلومترًا، يربط مطار الملك عبدالعزيز الدولي بمحطة قطار الحرمين السريع عبر 15 محطة. ويقود المشروع هيئة تطوير جدة، ويهدف إلى تعزيز تكامل النقل الحضري مع شبكات السكك الحديدية الوطنية والمطارات.
مشروع يعود إلى الواجهة بعد سنوات من المراجعة
تعود خطط مترو جدة إلى أوائل العقد الماضي، قبل أن تتباطأ وتيرتها نتيجة مراجعة أولويات الإنفاق وانخفاض أسعار النفط. وكانت التصورات الأولية تشمل شبكة مكونة من أربعة خطوط بطول يتجاوز 161 كيلومترًا و81 محطة. ويعكس إحياء المشروع، إلى جانب التوسع في أساطيل القطارات وتنفيذ المشروعات المحورية على مراحل، تحولًا استراتيجيًا نحو تخطيط متكامل للبنية التحتية للنقل، بما يدعم النمو الاقتصادي، ويحسن جودة الحياة الحضرية، ويعزز كفاءة منظومة الخدمات اللوجستية.