مقدمة
شهد العالم في 28 فبراير 2026 تصعيدًا خطيرًا مع اندلاع الحرب الإيرانية، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا جويًا على مواقع عسكرية ومنشآت استراتيجية في طهران، وأدى إلى اغتيال عدد من كبار القادة الإيرانيين، ردّت إيران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة على أهداف داخل إسرائيل وقواعد أمريكية في الخليج، وأبلغت البحرية التابعة للحرس الثوري السفن بأن مضيق هرمز مغلق أمام الملاحة، مع الإشارة إلى أنه لم يصدر أي إعلان رسمي من الحكومة الإيرانية حول الإغلاق. فكيف ستنعكس هذه الحرب على الاقتصاد الإيراني والعالمي، خصوصًا أسواق النفط والطاقة؟
الوضع الاقتصادي والجغرافي لإيران
تشكل إيران أحد أهم اللاعبين الاقتصاديين في منطقة الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب حجم اقتصادها، ولكن أيضًا لحكم موقعها الجغرافي الاستراتيجي عند تقاطع طرق التجارة البحرية بين الخليج العربي وبحر عمان، حيث تتحكم إيران في الضفة الشمالية من مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم. ويمر عبر المضيق نحو 20% 1من النفط البحري العالمي، ما يجعل أي توتر في المنطقة مصدر قلق مباشر للأسواق العالمية.
تمتلك إيران نحو 11.8% 2من احتياطيات النفط العالمية و17 ٪ 3من احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم، ما يمنحها ثقلًا استراتيجيًا في أسواق الطاقة العالمية. ويعتمد اقتصاد إيران بشكل كبير على قطاع الطاقة، الذي يشكل المصدر الرئيسي للنقد الأجنبي وعائدات الموازنة العامة. ومع تصاعد أي مواجهة عسكرية في الإقليم، تتجاوز التداعيات حدودها الجغرافية لتطال الاقتصاد العالمي وأسواق المال والطاقة، وصولاً إلى الاقتصادات الناشئة ومنها مصر.
تأثير الحرب على الاقتصاد العالمي
تسببت الحرب الإيرانية في ارتفاع كبير بأسعار الطاقة العالمية، حيث ارتفعت عقود نفط برنت (Brent Crude) إلى نحو 78–82 دولارًا للبرميل في نطاق التداول الأول بعد اندلاع الحرب، بعد التوترات حول مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20٪ من النفط البحري العالمي، مقارنةً بأدنى مستوى سنوي قبل الحرب البالغ نحو 58.40 دولارًا للبرميل، هذا الارتفاع سيدفع إلى زيادة تكلفة النقل والإنتاج، ورفع معدلات التضخم في الاقتصادات الكبرى مثل الولايات المتحدة وأوروبا.
كما انعكس النزاع على الأسواق المالية العالمية، إذ افتتحت الأسواق الأوروبية جلساتها عقب اندلاع الحرب بانخفاض حاد، حيث تراجع مؤشر DAX الألماني بنسبة 2.2٪، بينما خسر CAC 40 الفرنسي حوالي 1.9٪4، بينما هبط العقود الآجلة لمؤشر S&P 500 بنحو 1.7٪، ما يعكس تراجع ثقة المستثمرين، بالتوازي، ارتفع الذهب بنسبة 1.8٪ ليصل سعر الأوقية إلى 5397 دولارًا، مع توجه المستثمرين إلى الأصول الآمنة وسط أجواء عدم اليقين، هذه التحركات الاقتصادية توضح تأثير الحرب على الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد، مع ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، والضغط على النمو الاقتصادي العالمي على المدي الطويل إذا طال النزاع.
تأثير الحرب الإيرانية على الاقتصاد المصري
تتأثر مصر بشكل مباشر بتصاعد الحرب الإيرانية عبر أسواق الطاقة العالمية، نظرًا لاعتمادها الكبير على استيراد النفط والغاز لتلبية الطلب المحلي. تعتمد مصر على النفط المستورد لتشغيل محطات الكهرباء والمصانع وتلبية احتياجات النقل، مما يجعل أي اضطراب في أسواق الطاقة العالمية مصدر ضغط مباشر على الاقتصاد المحلي. مع استمرار التوترات في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتصدير النفط، من المتوقع أن يؤدي أي ارتفاع جديد في أسعار النفط العالمي إلى زيادة تكلفة الوقود والطاقة، ما قد يرفع بدوره تكاليف الإنتاج والنقل والسلع الاستهلاكية، ويزيد الضغوط التضخمية على الاقتصاد، ويضع ضغوطًا إضافية على ميزانية الدولة.
فعليًا، انعكست هذه التوترات الجيوسياسية على أسواق الذهب والبورصة في مصر بشكل سريع وملحوظ. فقد ارتفع سعر جرام الذهب عيار 21 إلى نحو 7510 جنيهًا خلال تعاملات يوم الأحد الأول بعد اندلاع الحرب، ما يعكس تحول المستثمرين إلى الملاذات الآمنة وسط حالة عدم اليقين العالمي، وفي أول يوم تداول للبورصة بعد اندلاع الحرب، شهدت السوق انخفاضًا واضحًا في المؤشرات الرئيسية، حيث تراجع المؤشر الرئيسي EGX30 بنسبة 2.5٪، ومؤشر الشريعة الإسلامية EGX Shariah بنسبة 2.9٪، ومؤشر EGX35-LV بنسبة 2.11٪، والمؤشر الأوسع EGX100 بنسبة 2.92٪، مع تسجيل خسائر في رأس المال السوقي تجاوزت 73 مليار جنيه5 يعكس هذا التراجع تراجع ثقة المستثمرين المحليين وزيادة المخاطر على الأسواق المالية، مع تنامي حالة الحذر في قرارات الاستثمار.
بالإضافة إلى ذلك، تظل توقعات أسعار البترول والاستيراد متأثرة بالتصعيد الجاري في مضيق هرمز، حيث إن أي اضطراب طويل الأمد قد يؤدي إلى ارتفاع مستمر في تكلفة الاستيراد، مما سيؤثر على أسعار السلع والخدمات المحلية ويزيد من الضغوط على القدرة الشرائية للمواطنين. ومع استمرار الحرب وعدم وضوح المدى الزمني لتطوراتها، يبقى الاقتصاد المصري في حالة ترقب وحذر تجاه أي تحركات مستقبلية في أسواق الطاقة العالمية وأسعار الذهب والأسواق المالية.
تأثير الحرب الإيرانية الحالية على السوق العقاري
يعتمد تأثير الحرب الإيرانية الحالية على السوق العقاري المصري بشكل كبير على مدة استمرار النزاع. ويمكن الاسترشاد في ذلك بتجربة المواجهة بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025، والتي استمرت نحو12 يومًا فقط قبل التوصل إلى هدنة. فإذا انتهت المواجهة الحالية سريعًا، فمن المرجح أن يكون تأثيرها محدودًا على الطلب والأسعار، إذ يُنظر إلى العقار كاستثمار طويل الأجل لا يتأثر عادةً بالاضطرابات قصيرة المدى. أما في حال امتداد الحرب لفترة أطول، فقد ينعكس ذلك في صورة ارتفاع تكاليف البناء والاستيراد نتيجة زيادة أسعار الطاقة والمواد الخام التي تمر عبر مضيق هرمز، وهو ما قد يدفع أسعار العقارات للارتفاع في بعض الفئات باعتبارها ملاذًا آمنًا، في مقابل احتمال تباطؤ الطلب في شرائح أخرى نتيجة تراجع القوة الشرائية وارتفاع الضغوط الاقتصادية.