في عام اتسم بتباطؤ النمو العالمي وارتفاع تكلفة رأس المال، واصل القطاع العقاري المصري تسجيل أرقام لافتة، مؤكدًا مكانته كأحد أكثر القطاعات صمودًا داخل الاقتصاد المحلي. لكن أداء السوق القوي يخفي وراءه تحولات هيكلية عميقة تعيد تشكيله وتفرض قواعد جديدة للمرحلة المقبلة.
عام 2025 لم يكن مجرد امتداد لموجة نمو سابقة، بل جاء كاختبار لقدرة السوق على التكيف مع بيئة اقتصادية أكثر تشددًا. تضخم مرتفع، زيادة حادة في تكاليف البناء، وضغوط على القدرة الشرائية دفعت السوق لإعادة تسعير نفسه ليس فقط على مستوى الأسعار، بل على مستوى نماذج التطوير وآليات البيع وتعريف القيمة العقارية.
تشير البيانات إلى أن السوق حافظ على زخم المبيعات، مدفوعًا بدور العقار كأداة تحوّط، وبالطلب القادم من المصريين بالخارج والمستثمرين الإقليميين. غير أن هذا الزخم لم يكن متجانسًا؛ فقد استفادت المشروعات القادرة على تقديم قيمة تشغيلية واضحة، بينما بدأت الفجوة تتسع بين الأصول المدعومة بأساسيات قوية وتلك التي اعتمدت تاريخيًا على الارتفاعات السعرية وحدها.
في موازاة ذلك، شهد 2025 حضورًا أكثر وضوحًا للدولة في تنظيم السوق، عبر تشريعات وإجراءات لتعزيز الشفافية وضبط الإيقاع، في محاولة لتحقيق توازن بين استمرارية الاستثمار وحماية الاستقرار السوقي. هذا التحول التنظيمي، إلى جانب تغير سلوك المستثمر والمشتري، يشير إلى انتقال تدريجي من سوق يقوده التوسع السريع إلى سوق تحكمه الحسابات طويلة الأجل.
من هذا المنظور، لا يمكن قراءة حصاد القطاع العقاري في 2025 كقصة نمو تقليدية، بل كمرحلة إعادة ضبط أعادت تعريف المخاطر والفرص، ووضع أسسًا جديدة للمنافسة سيكون لها تأثير مباشر على اتجاهات السوق خلال السنوات المقبلة.
مبيعات قوية رغم التحديات الاقتصادية
سجل القطاع العقاري المصري أداءً لافتًا في 2025، حيث بلغت مبيعات كبار المطورين نحو 290 مليار جنيه خلال الربع الأول، مقابل 235 مليار جنيه في نفس الفترة من 2024، بنمو يقارب 23%. كما تم بيع حوالي 18,500 وحدة سكنية بمتوسط سعر 15.7 مليون جنيه للوحدة، ما يعكس استمرار قوة الطلب رغم الضغوط الاقتصادية.
ورغم الارتفاعات السعرية، حافظت السوق على مستويات نشاط قوية نسبيًا، مدعومة بثقة شريحة واسعة من العملاء في العقار كأداة تحوط طويلة الأجل، وأسهمت خطط السداد المرنة التي يطرحها المطورون في امتصاص الصدمات السعرية دون تراجع كبير في الطلب.
الطلب المحلي والدولي
شهد السوق ارتفاعًا ملحوظًا في حصة المشترين غير المحليين، ما يعكس الجاذبية المتزايدة للقطاع على المستوى الإقليمي والدولي. تشير البيانات الرسمية إلى أن مشتريات المصريين بالخارج والمستثمرين العرب والأجانب مثلت نحو 30–35% من إجمالي المبيعات العقارية، ما يعكس اهتمامًا متزايدًا بالاستثمار في السوق المصري وفرص النمو المتاحة فيه.
أنظمة السداد والتمويل: كلمة السر
برزت أنظمة السداد المرنة كأحد المحركات الرئيسية للطلب، في ظل الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف المعيشة. اتجه العديد من المطورين إلى إطالة فترات التقسيط لتتراوح بين 8 و10 سنوات، مع مقدمات تبدأ من 5% إلى 10% في بعض المشروعات، ما أسهم في توسيع قاعدة العملاء والحفاظ على معدلات مبيعات قوية.
وفق تقديرات سوقية، أصبحت أنظمة التقسيط المباشر تستحوذ على أكثر من 70% من عمليات الشراء في بعض المشروعات، مقارنة بنسب أقل خلال الأعوام السابقة، وهو ما يعكس تغيرًا في سلوك المستهلك الذي بات يفضل المرونة المالية على سرعة الاستلام أو السعر الإجمالي للوحدة.
كما سجل التمويل العقاري نموًا قويًا خلال أول خمسة أشهر من 2025، بقيمة تمويلات بلغت 16.6 مليار جنيه، بزيادة تقارب 85% على أساس سنوي، ما يعكس تنامي دور القطاع المالي في دعم نشاط السوق العقاري.
الدولة كلاعب منظم للسوق
أحد أبرز سمات 2025 كان الحضور الأكثر وضوحًا للدولة في تنظيم السوق العقاري، عبر حزمة من القرارات والتيسيرات التي استهدفت تحقيق توازن دقيق بين دعم الاستثمار والحفاظ على الاستقرار السوقي.
حيث قدمت وزارة الإسكان والمجتمعات العمرانية الجديدة سلسلة من التسهيلات والإجراءات لدعم المواطنين والمستثمرين وضمان استقرار السوق، أهمها:
إعفاءات من غرامات التأخير تصل إلى 70% عند سداد كامل المستحقات، و50% عند سداد نصفها، مع 10% إضافية للسداد المبكر ضمن مهلة محددة.
خفض الفائدة على أقساط الأراضي للمطورين إلى 15%، وتمديد مواعيد تنفيذ المشروعات وزيادة نسب المسطحات البنائية، مع إمكانية تحويل الوحدات إلى فندقية دون رسوم إضافية.
دعم شركات التنمية السياحية عبر جدولة الأقساط ومنح مهلات إضافية لإتمام المشاريع، بما في ذلك شركات قطاع طابا ونويبع التي حصلت على استثناء السداد لمدة 6 أشهر وحتى عام كامل مجانًا.
تخفيض مصاريف التنازل بنسبة 50% للأراضي بمختلف المدن الجديدة.
استمرار الحوافز الاستثمارية للمدن الجديدة لعام إضافي حتى 2026، مع تثبيت الفائدة على أقساط المطورين والمشروعات الاستثمارية عند 15%.
أسهمت هذه الإجراءات في تخفيف الأعباء المالية على المواطنين، دعم حركة الاستثمار العقاري، وتحفيز المطورين وشركات التنمية السياحية على استكمال مشروعاتهم، ما جعل 2025 نقطة فارقة في تاريخ قطاع الإسكان المصري.
2026 مرحلة الاستقرار والنمو المتوازن
مع انطلاق العام الجديد، يُتوقع أن يشهد السوق مرحلة من الاستقرار التدريجي وتصحيح الأسعار بعد موجة الارتفاعات السابقة، مع بروز الطلب الحقيقي على الوحدات السكنية والمشروعات الاستثمارية في المدن الجديدة والمناطق الحيوية.
من المتوقع أن يدعم انخفاض أسعار الفائدة واستمرار التيسيرات الحكومية حركة التمويل العقاري ويحفز الشراء، بينما يحافظ الاستثمار المحلي والأجنبي في القطاعات الساحلية والإدارية على زخمه. كل ذلك يعزز استمرار النمو المتوازن وخلق فرص جديدة للمطورين والمستثمرين خلال 2026، بما يجعل العام الجاري محطة مهمة لاستقرار السوق وتوسع الفرص الاستثمارية.
استشراف المستقبل: اتجاهات السوق 2026–2027
مع دخول 2026، يشهد السوق مرحلة استقرار نسبي وتصحيح تدريجي للأسعار بعد موجة الارتفاعات السابقة، مع اتجاهات رئيسية تشمل:
الطلب على الوحدات عالية الجودة، خاصة في المدن الجديدة والمناطق الحيوية، مع التركيز على القيمة التشغيلية والخدمات المتكاملة.
استمرار بروز أنظمة التمويل المرن والتقسيط طويل الأجل، ما يعزز قدرة العملاء على الشراء ويميز المطورين المتجاوبين.
الاستثمار الأجنبي والإقليمي، خصوصًا من المصريين بالخارج والمستثمرين العرب، مع تركيز على المدن الساحلية والمشروعات متعددة الاستخدامات.
المشروعات متعددة الاستخدامات ستظل الخيار الأكثر جاذبية للعملاء الباحثين عن القيمة الشاملة.
التحول الرقمي وزيادة الشفافية في السوق، مما يساعد على اتخاذ قرارات استثمارية أفضل ويعزز الثقة في القطاع.
ويرى خبراء السوق أن الأداء القوي الذي سجله القطاع العقاري المصري خلال 2025 لا يعكس بلوغ ذروة دورة النمو بقدر ما يؤشر إلى دخول السوق مرحلة انتقالية أكثر نضجًا وانضباطًا. فعلى الرغم من استمرار قوة المبيعات، فإن معادلة النجاح لم تعد قائمة فقط على حجم الطرح وسرعة البيع، بل باتت ترتكز على تقديم قيمة مضافة حقيقية، وإدارة واعية لمخاطر التمويل، والقدرة على التكيف مع مستثمر أصبح أكثر انتقائية ووعيًا بالعائد والمخاطر.
ويؤكد الخبراء أن السنوات المقبلة ستشهد إعادة ترتيب واضحة لخريطة السوق، مع تصاعد أهمية الجودة، والانضباط المالي، والشفافية التشغيلية كعوامل حاسمة في تحديد اللاعبين القادرين على الاستمرار والنمو. وفي سوق لم يعد يتسع للجميع بنفس القدر، سيكون التفوق حليف المطورين الأكثر التزامًا بالحوكمة، والأقدر على مواءمة منتجاتهم مع احتياجات طلب حقيقي طويل الأجل، وليس مضاربات قصيرة الأمد.