رؤية تتجاوز التطوير العقاري التقليدي
استنادًا إلى دراسة الحالة التي أعدها مركز MIT Kuo Sharper للازدهار وريادة الأعمال، عندما تأسست Tatweer Misr عام 2014، دخلت سوق العقارات المصرية برؤية امتدت إلى ما هو أبعد من تشييد المجمعات السكنية. ففي الوقت الذي ركز فيه العديد من المطورين على بيع الوحدات الفاخرة، سعت الشركة إلى إنشاء مجتمعات متكاملة تجمع بين الاستدامة، والابتكار، وجودة الحياة.
تأسست الشركة بقيادة الدكتور أحمد شلبي، وانطلقت من قناعة بأن النجاح على المدى الطويل لا يُقاس بالأداء المالي فقط، بل أيضًا بالقيمة التي تقدمها للعملاء، والموظفين، والشركاء، والمجتمعات المحلية، والبيئة. وأصبحت هذه الفلسفة أساس نموذج أعمال ميّز الشركة عن المطورين العقاريين التقليديين. وبحلول عام 2025، أصبحت Tatweer Misr واحدة من أكبر عشرة مطورين عقاريين في مصر، حيث تدير محفظة تضم نحو 3.8 مليون متر مربع عبر خمسة مشروعات رئيسية، ويعمل بها نحو 500 موظف فقط.
صناعة وجهات جديدة بدلًا من اتباع السوق
تُعد رغبة Tatweer Misr في الاستثمار بالمناطق التي لم تكن تحظى باهتمام السوق إحدى أبرز سماتها. فبدلًا من المنافسة في الوجهات القائمة، ركزت الشركة على إطلاق إمكانات المناطق الواعدة من خلال إنشاء مجتمعات متكاملة قادرة على خلق الطلب بنفسها.
فقد نجح مشروع IL Monte Galala في تحويل المنطقة الجبلية المطلة على البحر الأحمر إلى وجهة سياحية وسكنية تعمل طوال العام، بينما قدم مشروع Bloomfields أول مفهوم لـ”College Town” في مصر، حيث يجمع بين الاستخدامات السكنية والتعليمية والتجارية ومتعددة الاستخدامات داخل مشروع يمتد على مساحة 415 فدانًا.
وفي IL Monte Galala وحده، سلمت الشركة بالفعل نحو 2,000 وحدة سكنية، فيما يجري تنفيذ 3,000 وحدة أخرى، وهو ما يعكس التزامها طويل الأجل بإنشاء وجهات مستدامة، وليس مجرد تطوير مشروعات عقارية.
ومن خلال التركيز على الفرص المستقبلية بدلًا من الطلب القائم، نجحت Tatweer Misr باستمرار في ترسيخ مكانتها كمطور يصنع الأسواق بدلًا من الاكتفاء بمواكبتها.
بناء القيمة من خلال الاستدامة والابتكار
أصبحت الاستدامة عنصرًا أساسيًا في جميع مراحل تطوير مشروعات Tatweer Misr، حيث صُممت المشروعات للحفاظ على الطبيعة، وتعظيم الاستفادة من التهوية الطبيعية، وتقليل الأثر البيئي، وإعادة استخدام مواد البناء كلما أمكن.
وفي مشروع IL Monte Galala، جرى الحفاظ على الاكتشافات الأثرية وموائل الطيور المهاجرة ضمن الاستراتيجية البيئية للمشروع، بما يؤكد إمكانية تحقيق التوازن بين التنمية المسؤولة والنجاح التجاري.
كما أصبحت التكنولوجيا ركيزة رئيسية في استراتيجية الشركة، إذ عقدت شراكات مع كبرى شركات التكنولوجيا العالمية لدمج أنظمة المباني الذكية، بما يسهم في تحسين إدارة الطاقة، ورفع الكفاءة التشغيلية، وتعزيز تجربة السكان اليومية.
وتوفر هذه الحلول المتكاملة تحسينات تصل إلى 50% في كفاءة استهلاك الطاقة والمياه، إلى جانب خفض فواتير المرافق والتكاليف التشغيلية للسكان بنسبة تصل إلى 30%.
ولا تقتصر التزامات الشركة البيئية على مرحلة الإنشاء، إذ أنجزت Tatweer Misr ثالث تقييم للبصمة الكربونية الخاصة بها، وتعهدت بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 42% بحلول عام 2030، والوصول إلى الحياد الكربوني الكامل بحلول عام 2050، بما يعكس التزامها طويل الأجل بالتنمية المستدامة.
الإنسان والشراكات والأثر المجتمعي
يمتد التميز التنافسي لـTatweer Misr إلى ما هو أبعد من مشروعاتها، ليشمل الثقافة المؤسسية التي نجحت في بنائها، حيث تشجع الشركة على التعاون، والشفافية، والتواصل المستمر، وتحث الموظفين على المشاركة الفاعلة في تحقيق رؤيتها طويلة المدى.
وقد ساعد هذا النهج الذي يضع الإنسان في المقام الأول على الحفاظ على روح ريادة الأعمال داخل الشركة رغم النمو السريع.
وعلى الصعيد الخارجي، أقامت Tatweer Misr شراكات طويلة الأجل مع الاستشاريين، والموردين، والجامعات، وشركات التكنولوجيا لتعزيز الابتكار عبر مختلف مراحل سلسلة القيمة.
وفي عام 2017، أطلقت الشركة مسابقة للابتكار دعمت منذ ذلك الحين أكثر من 350 مبتكرًا، واختارت 75 متأهلًا للنهائيات، وكرمت أكثر من 23 فائزًا، فيما بلغت نسبة مشاركة السيدات بين المبتكرين المدعومين 43%.
ولا تقتصر المبادرة على تقديم الدعم المالي، بل تتيح للشركات الناشئة اختبار ابتكاراتها وتطبيقها تجاريًا داخل مشروعات حقيقية.
كما استثمرت مبادرة Benebny Hayah التابعة للشركة في مجالات الرعاية الصحية، والتعليم، والبنية التحتية، والتدريب المهني، وتنمية المجتمعات بالمناطق الأكثر احتياجًا في مصر، انطلاقًا من إيمانها بأن خلق قيمة مشتركة يسهم في بناء مجتمعات أقوى وتحقيق نجاح مستدام للأعمال.
المرونة في مواجهة المتغيرات الاقتصادية
فرضت بيئة العمل في مصر تحديات اقتصادية كبيرة، شملت التضخم، وتقلبات أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف البناء.
واستجابت Tatweer Misr لهذه التحديات من خلال تطبيق نظام مشتريات مركزي، وتعزيز علاقاتها مع الموردين، وتأمين احتياجاتها من مواد البناء الرئيسية مسبقًا، بما ساعدها على تحسين التحكم في التكاليف وضمان استمرارية التنفيذ خلال فترات التقلبات.
كما عملت الشركة على تنويع قاعدة عملائها من خلال التوسع خارج السوق المحلية، وبحلول عام 2025 شكل المصريون المقيمون بالخارج والعملاء الدوليون نحو 27.7% من إجمالي المبيعات، مما وفر مصدرًا إضافيًا للعملة الأجنبية، وعزز قدرة الشركة على مواجهة فترات عدم الاستقرار الاقتصادي.
وقد ساهمت هذه القرارات الاستراتيجية في استمرار توسع الشركة مع الحفاظ على ثقة المستثمرين واستقرار عملياتها التشغيلية.
ترسيخ النجاح المؤسسي دون فقدان الهوية
مع تحول Tatweer Misr من شركة ناشئة إلى واحدة من أبرز شركات التطوير العقاري في مصر، أصبح الحفاظ على ثقافتها الريادية أكثر صعوبة.
فقد استدعى النمو السريع تطوير هياكل حوكمة أكثر قوة، ووضع سياسات موثقة، واعتماد إجراءات تشغيل موحدة تتناسب مع حجم الشركة المتزايد.
ورغم أن هذه الخطوات عززت الكفاءة التشغيلية، فإن الإدارة حرصت على الحفاظ على القيم التي صنعت نجاح الشركة منذ البداية.
ولا تزال قرارات التوظيف تركز على طريقة التفكير، وروح التعاون، وتوافق الأهداف، إلى جانب الكفاءة الفنية، لضمان بقاء ثقافة الشركة أحد أهم عناصرها التنافسية مع توسعها في الأسواق الإقليمية.
الطريق إلى المستقبل
كما ورد في دراسة الحالة التي أعدها مركز MIT Kuo Sharper للازدهار وريادة الأعمال، أثبتت Tatweer Misr أن التطوير العقاري يمكن أن يتجاوز مجرد تشييد المباني ليصبح وسيلة لخلق قيمة مستدامة للأفراد، والأعمال، والمجتمعات.
ومن خلال دمج الاستدامة، والتكنولوجيا، والابتكار، وإشراك مختلف أصحاب المصلحة في نموذج أعمالها، نجحت الشركة في إعادة النظر في العديد من المفاهيم التقليدية التي شكلت قطاع التطوير العقاري في مصر.
مع توسعها خارج مصر إلى أسواق مثل عُمان، والمملكة العربية السعودية، واليونان، لن يتمثل التحدي الأكبر في تنفيذ مشروعات أضخم، بل في الحفاظ على العقلية الريادية والثقافة القائمة على خلق القيمة، اللتين ميزتا الشركة منذ تأسيسها.
وسيحدد نجاحها في تحقيق التوازن بين النمو المؤسسي والابتكار ما إذا كانت Tatweer Misr ستواصل ترسيخ مكانتها كنموذج يحتذى به في مجال التطوير العقاري المستدام على مستوى المنطقة.