في ظل التغييرات البيئية.. الجهود العالمية لتحفيز الاستثمار في العقارات المستدامة

في ظل التغييرات البيئية.. الجهود العالمية لتحفيز الاستثمار في العقارات المستدامة

يعد القطاع العقاري أحد الأسباب الرئيسية في ظاهرة الاحتباس الحراري، حيث أشار التقرير الصادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، إلى أن 38% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة تأتي من المباني و28% من الانبعاثات التشغيلية و10% من المواد وأنشطة البناء. لذلك، أصبح التوسع في العمران الأخضر واستدامة العقارات والسعي لخفض معدلات الكربون توجه عالمي، كحل رئيسي لمواجهة التغيرات البيئية المستمرة.

وذكر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن الطفرة العالمية التي يشهدها قطاع البناء والتشييد دفعت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في القطاع إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 10 جيجا طن، مما يعني أنه خارج المسار الصحيح للوفاء بتعهدات إزالة الكربون بحلول عام 2050.

وخلال هذا التقرير تناقش «إنفستجيت» أهمية تطبيق مبادئ الاستدامة في القطاع العقاري عالميًا، ومعرفة أبرز المعوقات لهذا التوجه، بالإضافة إلى تسليط الضوء على الجهود المبذولة في كافة الدول للاستثمار في المباني الخضراء.

تحول عالمي لاستدامة العقار

تمتلك المباني الخضراء مزايا عديدة تجعلها مفضلة في الأسواق العالمية. ومن المتوقع أن يصل عدد المباني الخضراء إلى أكثر من 534,000 مبنى بحلول 2028، مقارنة بـ 76,000 في 2019، كما ستصل قيمتها السوقية إلى 241 مليار دولار بحلول عام 2026، بحسب شركة «ريبورت لينكر» الفرنسية. كما تقدر منظمة التمويل الدولية أن الفرصة الاستثمارية التي تمثلها المباني الخضراء ستبلغ 24.7 تريليون دولار بحلول العام 2030 في مدن الأسواق الناشئة. علاوةً على ذلك، احتلت آسيا والمحيط الهادئ صدارة النمو في سوق المباني الخضراء ذات الإسكان العائلي المتعدد لعام 2021.

إن المباني الخضراء تعتمد على تطبيق مبادئ البناء المستدام والعمارة الخضراء، والتي تهدف إلى خفض الانبعاثات الكربونية عبر تحسين كفاءة استهلاك الطاقة والمياه، والمساهمة في تحسين جودة البيئة الداخلية، وذلك في كل مراحل البناء، بدءًا من مرحلة التخطيط واختيار الموقع، إلى التصميم، والتشييد، وتشغيل وصيانة المباني.
وعلى الرغم من ذلك، هناك بعض المعوقات التي تعرقل التوسع في استثمارات المباني الخضراء عالميًا وهي أن هذه المباني تصنف بأنها عالية التكلفة مقارنة بالمباني التقليدية، وهو ما ينعكس على رفع التكلفة للمستثمرين والمشترين.

وفي هذا الصدد، أفاد المهندس محمد طاهر، رئيس مجلس إدارة «النيل» للتطوير العقاري، خلال فعاليات المائدة المستديرة لـ «إنفستجيت» المنعقدة في أكتوبر الماضي، بأنه على الرغم من ارتفاع تكلفة إنشاء المشروعات المستدامة بنسبة 5-10% مقارنة بالمنشآت التقليدية، إلا أنها على المستوى البعيد ستكون موفرة بشكل كبير، مضيفًا أن الأبحاث أكدت تهجير نحو مليار مواطن من منازلهم في 2050 بسبب الانبعاثات الكربونية وارتفاع منسوب المياه، وهو ما يدفعنا للاهتمام بإنشاء المدن الخضراء المستدامة.

المباني المستدامة في العالم

أشار برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن قطاع المباني يمثل 40% من إجمالي احتياجات الطاقة في أوروبا، وأن 80% منها يأتي من الوقود الأحفوري. وللحد من هذه الانبعاثات، أوضحت وكالة الأمم المتحدة أن قطاع البناء يمكن أن يساعد من خلال: تحسين أداء الطاقة في المباني، وتقليل البصمة الكربونية لمواد البناء، ومضاعفة الإجراءات والحوافز للاستثمار في كفاءة الطاقة.

وفي الآونة الأخيرة، شهد الطلب على المنازل المستدامة في البرتغال ارتفاعًا كبيرًا. لذلك، اتخذت البرتغال عدة تدابير للتشجيع على الاستثمار في المباني الخضراء. حوالي 83% من المستثمرين في البرتغال يتوقعون زيادة في الطلب من المستأجرين على العقارات الخضراء، وفقًا لصحيفة «جرين جورنال» البريطانية. وتقوم العديد من الشركات البرتغالية بأخذ موضوع المباني المستدامة في جوهر أعمالها، ويعتبر ذلك متطابقًا مع التشريعات الحالية في البرتغال.

وفي سياق آخر، كشفت شركة «إنسوليشين فور ليس» للطاقة في بريطانيا، عن أكثر 10 مبانٍ صديقة للبيئة حول العالم في 2021، وهي: أبراج «بوسكو فيرتيكال» بمدينة ميلانو الإيطالية، وبرج «شنغهاي» في مدينة شنغهاي الصينية، وبرج «توري ريفورما» في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، ومركز «فانكوفر» للمؤتمرات في مدينة فانكوفر الكندية، ومتحف «الغد» في العاصمة البرازيلية ريو دي جانيرو، ومبنى «برايس ووترهاوس كوبرز» في العاصمة البريطانية لندن، ومبنى «كوبينهيل» في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، ومبنى «كيوب» في العاصمة الألمانية برلين، و برج «ماركو بولو» في مدينة هامبورغ شمال ألمانيا، و«وون أنجل سكوير» في مدينة مانشستر شمال بريطانيا.

الاستثمار في الاستدامة

يجب على مطوري العقارات والمستثمرين تبني سياسات إنشاء العقار المستدام خلال الفترة المقبلة، والاستعداد جيدًا لمستقبل التنمية العقارية المستدامة عالميًا، لتطبيق استراتيجية البناء المستدام طويل الأجل، حيث أن ما يقرب من ثلثي المباني العالمية الموجودة حاليًا ستظل موجودة حتى عام 2040، وستستمر في إطلاق غازات الاحتباس الحراري.

أفاد الاستطلاع العالمي الذي أجرته «جيه إل إل» أن تحقيق صافي الانبعاثات الصفرية يحتل صدارة أذهان صانعي القرار في القطاع العقاري خلال عام 2023، كما أنه تم تسجيل زيادة كبيرة على أساس سنوي في عدد العملاء الذين يعتبروا الاستدامة أولوية قصوى.

لقد ساهمت المباني المستدامة في زيادة قيمة الأصول للعقارات التجارية في أوروبا، وفقًا لشركة «Deepki». وبالرغم من أن تنفيذ العقارات الخضراء يتسبب في زيادة التكاليف على المستثمر مقدمًا، لكن المباني الحاصلة على شهادة «LEED»؛ نظام تصنيف المباني الخضراء الأكثر استخدامًا في العالم، ستوفر سعرًا ممتازًا لهذه العقارات.

وأكد جاي جرينجر، الرئيس العالمي لخدمات الاستدامة والحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية لدى شركة «جيه إل إل»، أن المباني الخضراء تحقق الآن إيجارات قياسية حيث يبحث المشترون بشكل متزايد عن المساحات التي تعكس التزامات الاستدامة الخاصة بهم، لافتًا إلى أن التشريعات واللوائح المتزايدة، مثل ضرائب الكربون على المباني في نيويورك، تساهم في زيادة الوعي لدى المستثمرين والمشترين بأهمية تطبيق معايير الاستدامة بالعقارات، مضيفًا أن هناك قلقًا، لا سيما بين المستثمرين، بشأن السيولة والتمويل.

ومع ارتفاع الانبعاثات من العقارات إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق مؤخرًا، أصبحت تحقيق استدامة العقار خطوة ضرورية. وقال جرينجر: “إن تحقيق أهداف إزالة الكربون بسرعة وبطريقة حكيمة ماليًا هي الأهداف الرئيسية للشركات في عام 2023 وفي السنوات المقبلة، وتحتاج الشركات الآن إلى الانتقال من مجرد تقديم الالتزامات إلى تنفيذها على أرض الواقع”.

حوالي 63% من كبار المستثمرين يوافقون بشدة على أن الاستراتيجيات الخضراء يمكن أن تؤدي إلى زيادة الإشغالات والإيجارات والقيمة الإجمالية وعدد المستأجرين، وفقًا لتقرير “إزالة الكربون عن البيئة المبنية” الصادر عن «جيه إل إل». كما أكد المنتدى الاقتصادي العالمي أن تكلفة بناء العقارات الخضراء وتحقيق إزالة الكربون ستصل إلى 5.2 تريليون دولار على مدى العقد المقبل.

المباني الخضراء في مصر

في إطار حرص مصر على تأسيس مدن وعقارات صديقة للبيئة من أجل الحفاظ على الثروة العقارية، صرحت مي عبد الحميد، الرئيس التنفيذي لصندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري، بأنه جارٍ طرح تنفيذ 7,998 وحدة بنموذج «العمارة الخضراء» بمدينة حدائق العاصمة، ضمن مبادرة «العمارة الخضراء» بالتعاون مع البنك الدولي، ومركز بحوث البناء والإسكان، وتهدف هذه المبادرة إلى بناء 25,000 وحدة سكنية معتمدة بنظام تصنيف الهرم الأخضر للإسكان الاجتماعي، في 4 مدن مصرية وهي حدائق العاصمة، والعبور الجديدة، وأسوان الجديدة، والغردقة. لقد اعتمدت الدولة المجلس المصري للتنمية الخضراء، والذي طبق مؤخرًا نظام تقييم «الهرم الأخضر»، لتقييم استدامة المباني.

ومن جانبه، قال الدكتور المهندس وليد عباس، معاون وزير الإسكان لشئون هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، إن الدولة تسعى إلى تنفيذ مدن ذكية ومستدامة بهدف تقليل الانبعاثات الكربونية، مؤكدًا أن حجم المباني في المدن الجديدة الجاري تنفيذها لا يتخطى 25% من إجمالي حجم المدينة بينما تم تخصيص المساحات المتبقية للمساحات الخضراء والمتنزهات؛ للتقليل من الانبعاثات الحرارية.

وتلبية للطلب الحالي المتنامي على العقارات صديقة البيئة، تتوسع الشركات العقارية المصرية في تبني المواصفات الصديقة للبيئة في بناء مشروعاتها؛ من خلال استخدام الزجاج المزدوج، وعازل للحائط، والمصابيح الموفرة للكهرباء، والعدادات الذكية، والألواح الشمسية. وأكد نادر خزام، رئيس مجلس إدارة شركة «IL Cazar» للتطوير العقاري، خلال المائدة المستديرة السالف ذكرها، أن الفترة الحالية تشهد طلبًا متزايدًا من قبل المستهلكين على المنشآت التي تحقق الاستدامة والموفرة للطاقة، وذلك يأتي على رأس أولويات المطورين العقاريين خلال الفترة الحالية؛ لتلبية احتياجات السوق وخفض الانبعاثات وترشيد استهلاك الطاقة.

وأشار أيمن سامي، مدير مكتب «جيه إل إل مصر»، خلال المائدة المستديرة، إلى أن هناك خطة للدولة المصرية تسعى لتنفيذها وهي توصيل 42% من الطاقة المتجددة للمنازل بهدف خفض الانبعاثات الكربونية، وصرح محمد جلال، العضو المنتدب التنفيذي لشركة «مصر لإدارة الأصول العقارية»، بأن الشركة اتفقت مع شركة فرنسية، لتحليل الهواء في منطقة وسط البلد ومعرفة حجم التلوث والانبعاثات به وقياس مستوى الطاقة، وبناءً على نتائج هذه التحاليل سيتم تركيب أجهزة في بعض المباني لتنقية الهواء.

تسجيل الدخول

Welcome! Login in to your account

تذكرني فقدت كلمة المرور؟

لا تملك حساب Register

فقدت كلمة السر

Register